تراجُع شعبية ماكرون وميرتس يكشف اتساع الفجوة بين قادة أوروبا والشارع

إذا كان هناك عامل مشترك يجمع بين تراجع شعبية المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فهو حالة العزلة السياسية التي يعيشها كلاهما، فكل واحد منهما يبدو بعيداً عن الشارع وعن هموم الناخبين والناس العاديين، كما أنهما يفتقران إلى وجود دائرة من المستشارين المقربين القادرين على مصارحتهما بالحقائق غير المريحة، أو نقل المزاج الشعبي الحقيقي إليهما.
ويُعدّ ماكرون ابن النخبة السياسية والاقتصادية الفرنسية، حيث نشأ داخل بيئة مغلقة بعيدة عن عامة الناس، ولم يكن احتكاكه بالمواطنين العاديين سوى في مناسبات منظمة بعناية ومحسوبة بدقة.
أما ميرتس فيحمل ذهنية رجال رأس المال والنخب الاقتصادية، لكنه لم ينجح في تكوين فريق سياسي متمرس يُبقيه على اتصال دائم بما يجري في الواقع الاجتماعي والسياسي.
والحقيقة أن أي زعيم يحتاج إلى مساعدين يمتلكون الجرأة الكافية لمعارضته أحياناً، وطرح رؤى بديلة وسياسات أكثر قرباً من الناس، غير أن ماكرون وميرتس يبدوان أكثر ميلاً إلى الاحتماء داخل دوائر السلطة والنفوذ، مع تجاهل لغضب الناخبين وشكاواهم المتزايدة.
سر النجاح
وعند مقارنة هذين الزعيمين برئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، تظهر الفوارق بوضوح، فرغم أن حزب مودي «بهاراتيا جاناتا» خسر أغلبيته البرلمانية عام 2024، فإنه تمكّن لاحقاً من استعادة زخمه السياسي، وحقق انتصاراً كبيراً في ولاية البنغال الغربية التي كانت تُعدّ معقلاً تقليدياً لحزب «ترينامول كونغرس»، وقد أثار هذا التحول تساؤلات واسعة حول الكيفية التي استطاع بها مودي استعادة قوته السياسية بهذه السرعة.
ووفقاً لما نقلته صحيفة «فايننشال تايمز»، فإن سر نجاح مودي يكمن في تركيزه المستمر على قضايا القاعدة الشعبية، وحرصه الدائم على متابعة مخاوف المواطنين والاطلاع على المزاج العام.
وقال الباحث براميت بال تشودري، من مجموعة أوراسيا، إن مودي يحرص على دعوة أشخاص يحملون آراء مخالفة له، ويشجعهم على النقاش المفتوح، لأنه يُدرك أهمية الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والحصول على مصادر متعددة للمعلومات.
ويمثّل هذا الأسلوب السياسي نوعاً من الذكاء القيادي، حيث يعتمد على استيعاب الغضب الشعبي بدلاً من تجاهله، وعلى فهم مشكلات المواطنين بدلاً من الاكتفاء بإدارة الدولة من خلف المكاتب المغلقة، لهذا استطاع مودي تحقيق نجاحات بدت مستحيلة، متفوقاً بذلك على المهارات السياسية لماكرون وميرتس.
عزلة سياسية
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يصر بعض القادة على العيش داخل هذه العزلة السياسية، وكأنهم شخصيات ضائعة في متاهة السلطة، على غرار الجنرال في رواية غابرييل غارسيا ماركيز «الجنرال في متاهته».
لقد أثبت التاريخ السياسي أن استيعاب قضايا المعارضة وتبني بعض مطالبها يُعدّ وسيلة فعالة للحفاظ على الاستقرار السياسي والبقاء في الحكم.
فالمستشارة الألمانية السابقة، أنجيلا ميركل، تمكنت طوال 16 عاماً من احتواء خصومها السياسيين عبر تبنّي سياسات مرتبطة بالإنفاق الاجتماعي والبيئة، وهي قضايا كانت تمثّل جوهر برامج المعارضة.
وكذلك استطاعت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إضعاف خصومها من خلال تبنّي خطاب أكثر هدوءاً تجاه الاتحاد الأوروبي، رغم انتمائها إلى اليمين المتطرف.
وفي المقابل، اختار ماكرون وميرتس نهجاً مختلفاً يقوم على مهاجمة خصومهما ووصمهم بالتطرف أو «الفاشية»، بدلاً من محاولة استيعاب جزء من مطالبهم أو فتح باب التعاون معهم.
ونتيجة لذلك، تحولت قضايا حساسة، مثل الهجرة إلى أسلحة سياسية تستخدمها المعارضة لكسب مزيد من المؤيدين، وهو ما منح أحزاباً مثل «التجمع الوطني» في فرنسا و«البديل من أجل ألمانيا» زخماً شعبياً متزايداً.
مستوى المعيشة والأمان
وفي الوقت الذي يعيش فيه قادة أوروبا داخل امتيازات السلطة، يواجه المواطنون العاديون تراجعاً مستمراً في مستوى المعيشة والشعور بالأمان، ففي ألمانيا تعاني المدن تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين الشباب الذين يعتمد بعضهم على الإعانات الاجتماعية، والسكن المجاني والمخصصات الشهرية، من دون نجاح حقيقي في الاندماج داخل المجتمع أو تعلم اللغة أو دخول سوق العمل، كما ارتبطت هذه الظاهرة بارتفاع معدلات الجرائم البسيطة، ومشكلات الأمن الاجتماعي في بعض المناطق.
ورغم تعهدات ميرتس بترحيل من يرفضون الاندماج أو من تورطوا في جرائم، فإن حكومته لم تتمكّن من تنفيذ عمليات ترحيل واسعة، حتى بحق بعض طالبي اللجوء المرفوضين أو أصحاب السوابق الجنائية.
ويعود ذلك جزئياً إلى تعقيدات التحالف الحكومي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يبدو أكثر انسجاماً مع مواقف حزب الخضر من مواقف شريكه في الائتلاف الحاكم.
أما ماكرون، فلايزال يعاني آثار الصدام العنيف الذي وقع بينه والشارع الفرنسي خلال احتجاجات «السترات الصفراء»، التي اندلعت بسبب خططه لرفع الضرائب على الوقود.
كما أن تمريره إصلاحات التقاعد بقرارات فوقية عزّز قناعة كثير من الفرنسيين بأن ولاءه للمؤسسات الأوروبية يفوق اهتمامه بمطالب ناخبيه، وهو ما أضعف ثقته الشعبية، وأفشل رهاناته على إعادة إنعاش الاقتصاد الفرنسي.
اندماج المهاجرين
وفي فرنسا وألمانيا معاً، لاتزال مشكلة اندماج المهاجرين قائمة، خصوصاً القادمين من شمال إفريقيا، حيث تعاني قطاعات واسعة منهم ضعف الاندماج الثقافي والاجتماعي، في ظل غياب نموذج وطني جاذب وقادر على استيعاب القادمين الجدد، ضمن إطار الهوية الدستورية للدولة.
وإلى جانب أزمة التواصل مع المواطنين، يواجه ماكرون وميرتس تحديات اقتصادية معقدة، فبعكس مودي لا يمتلك أي منهما هامشاً واسعاً لتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، بسبب الأعباء المالية الضخمة التي تتحملها دولتاهما بالفعل.
كما أن تصاعد الإنفاق الدفاعي يفرض ضغوطاً إضافية على الميزانيات العامة.
وقد أخفق ماكرون في تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية تُعيد الحيوية للاقتصاد الفرنسي، بينما تواجه فرنسا أزمة ديون وعجز تهدّد استقرار منطقة اليورو بأكملها.
وفي ألمانيا، يعاني الاقتصاد حالة ركود، وسط ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة التنافسية للصادرات الألمانية، إضافة إلى القيود التنظيمية المعقدة التي تُعيق الابتكار والنمو الاقتصادي.
التكنوقراط
ورغم كل هذه الأزمات، لايزال ماكرون وميرتس يراهنان على الكفاءة التكنوقراطية باعتبارها الحل الأمثل لمواجهة صعود الشعبوية، إلا أن هذه المقاربة تبدو عاجزة عن تقديم حلول عملية لمشكلات الاقتصاد والهجرة والهوية الوطنية، الأمر الذي يفسر تنامي شعبية الأحزاب اليمينية والشعبوية في أوروبا.
ففي فرنسا يتصدر زعيم حزب التجمع الوطني، جوردان بارديلا، استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما يُحقق حزب البديل من أجل ألمانيا، تقدّماً متزايداً في الانتخابات الإقليمية، مع طموحات جدية للوصول إلى أغلبية مؤثرة داخل البرلمان الألماني.
وتتمثّل إحدى مشكلات النخب التكنوقراطية الأوروبية في نظرتها المتعالية تجاه مفاهيم الهوية الوطنية والفخر الثقافي، وهي القيم التي تستثمر فيها الحركات الشعبوية بمهارة كبيرة.
ويؤدي هذا الانفصال عن الحس الوطني إلى عجز هذه النخب عن ربط سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بمشروع وطني جامع، يستطيع إقناع المواطنين بتحمل التضحيات أو دعم الإصلاحات الكبرى.
ولم يكن الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول، ليقع في هذا الخطأ، فقد ارتبط مشروعه السياسي بفكرة واضحة عن عظمة فرنسا واستقلالها الوطني، وهو ما جعل الفرنسيين يلتفون حول رؤيته ويمنحونه الثقة.
أما ماكرون وميرتس، فيبدوان أقرب إلى موظفين إداريين كبيرين أكثر من كونهما قائدين تاريخيين يمتلكان القدرة على تعبئة الشعوب في أوقات الأزمات، فقد يستطيعان إدارة دولة خلال فترات الاستقرار، لكنهما يبدوان عاجزين عن بناء هوية وطنية قوية، تمنح المواطنين شعوراً بالثقة والانتماء في الأوقات الصعبة.
عن «بوليتيكو»
رؤية وطنية
يبحث الناخبون في فرنسا وألمانيا، وأوروبا بشكل عام، عن قيادة تمنحهم سبباً للإيمان بوطنهم، وعن مشروع سياسي يُعيد لبلادهم الشعور بالسيادة والقدرة على تقرير مصيرها.
وعندما تغيب هذه الرؤية الوطنية، تصبح السياسات الباردة والخالية من البعد الشعبي عاجزة عن إقناع الجماهير، وهو ما يفسر اتساع مساحة الشعبوية في أوروبا اليوم.
• الرهان على التكنوقراط وتجاهل المزاج الشعبي يدفعان الناخب الأوروبي نحو الأحزاب اليمينية.
• بينما يستعيد مودي زخمه عبر الاقتراب من الناس، يزداد ابتعاد قادة أوروبا عن الشارع ومطالبه اليومية.



