الرئيسيةعربي و عالميحلف الناتو أمام اختبار الحسم بين...
عربي و عالمي

حلف الناتو أمام اختبار الحسم بين تعزيز القدرات الذاتية واستمرار المظلة الأمريكية

مايو 19, 2026 عبد العزيز الراشد

أتاحت حرب إيران فرصة جديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعبير عن موقفه المتشدد تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث اتهم الحلف بعدم الفعالية وعدم تقديم المساعدة الكافية، ثم أقدم على سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، العضو في الحلف، مما أثار قلقاً أمنياً واسعاً في أوروبا التي ترى في روسيا تهديداً وجودياً.

قلق أوروبي وتصريحات متضاربة

وفي مؤتمر صحفي عُقد في بروكسل بعد اجتماع لرؤساء أركان دول الحلف، دعا رئيس اللجنة العسكرية في الناتو، الأميرال جوزيبي كافو دراغوني، إلى مضاعفة الجهود المتعلقة بالاستثمارات الدفاعية وتسريع وتيرة تطوير القدرات العسكرية. وفي المقابل، اعتبر الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكويتش، القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، أن قرار ترامب لا يمس دفاعات الحلف بأي ضرر.

وعلى الرغم من محاولات الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو التقليل من تأثير الانسحاب الأمريكي، إلا أن الطريقة المفاجئة التي أُعلن بها القرار عززت المخاوف العميقة بشأن مدى التزام ترامب بإطار العمل الجماعي للحلف.

الانسحاب: خطوة محدودة أم تحول استراتيجي؟

يبدو القرار الأمريكي، في ظاهره، خطوة عسكرية محدودة لا تمس جوهر منظومة الدفاع الأطلسية، وفقاً لما حاول القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، الجنرال غرينكويتش، تأكيده من بروكسل، حيث قال أمس إن «الخطط الإقليمية للحلف لن تتأثر»، معتبراً أن أوروبا باتت قادرة تدريجياً على تحمل عبء أكبر من الدفاع الجماعي. وأضاف: «في وقت يعزز الحلفاء قدراتهم، تستطيع الولايات المتحدة سحب بعض قدراتها واستخدامها في أولويات أخرى على مستوى العالم، لذا أنا مطمئن جداً إلى وضعنا الراهن».

وكانت إدارة ترامب قد سبق لها أن أبلغت الدول الأوروبية بنيتها سحب قواتها للتركيز على تهديدات أخرى حول العالم.

توقيت حساس ورسالة سياسية

تفاقم القلق الأوروبي بسبب طريقة الإعلان عن الانسحاب، التي وُصفت داخل أوساط غربية بأنها «فجائية» وافتقرت إلى التنسيق السياسي التقليدي داخل الحلف. حتى بولندا، التي تُعد من أقرب الدول الأوروبية إلى واشنطن، فوجئت بقرارات أمريكية أخرى تتعلق بإعادة توزيع القوات، مما أثار انتقادات داخل الكونغرس الأمريكي نفسه.

جاء القرار الأمريكي في توقيت حساس، بعد توتر واضح بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس على خلفية الحرب مع إيران، وهو ما أعطى الانسحاب بُعداً سياسياً يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة. وربطت تقارير أمريكية وأوروبية هذه الخطوة مباشرة بغضب ترامب من المواقف الأوروبية المتحفظة تجاه الحرب، ولا سيما التصريحات الألمانية التي اعتبرت أن واشنطن تفتقر إلى «استراتيجية خروج» واضحة.

الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي بين الحلم والواقع

قادت قيادة الناتو محاولات لاحتواء القلق الأوروبي، لكن عدداً من الخبراء رأوا أن المسألة لا تتعلق بعدد الجنود بقدر ما تتعلق بالبعد السياسي. الباحث الألماني ثورستن بينر اعتبر أن الانسحاب «رمزي» أكثر منه عسكري، لكنه أشار إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في التآكل المتسارع للعلاقة عبر الأطلسي، مضيفاً أن أوروبا تواجه اليوم مشكلة أعمق من مجرد خفض قوات، تتمثل في اهتزاز الثقة بالالتزام الأمريكي طويل الأمد تجاه أمن القارة.

وتتصاعد النقاشات الأوروبية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض حول مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي». ففي بروكسل وبرلين وباريس، لم يعد السؤال: هل يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها؟ بل: متى تضطر لذلك؟ ولهذا بدأت دوائر أوروبية دراسة سيناريوهات لـ«ناتو أوروبي» يعتمد على البنية الحالية للحلف، لكن بقيادة وقدرات أوروبية كبرى، تحسباً لأي تقليص أمريكي أوسع في المستقبل.

الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، حاول التقليل من خطورة تدهور علاقة أوروبا مع أمريكا، معتبراً أن أوروبا فهمت الرسالة الأمريكية بشأن ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما يفسر الاندفاع الأوروبي غير المسبوق نحو التسلح خلال العامين الأخيرين. دول مثل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق رفعت موازناتها الدفاعية بشكل حاد، في حين يناقش الاتحاد الأوروبي مشاريع تمويل عسكري ضخمة لتعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

لكن المفارقة تكمن في أن حرب إيران، التي فجرت الخلاف الحالي، دفعت الأوروبيين إلى مزيد من الارتهان العسكري للولايات المتحدة، وليس العكس. فالأوروبيون يدركون أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط سيؤثر مباشرة في الطاقة والملاحة والاقتصاد الأوروبي، في حين أنهم لا يملكون حتى الآن القدرة على إدارة أزمة إقليمية كبرى بمفردهم.

ولا يبدو أن انسحاب خمسة آلاف جندي سيغير ميزان القوى العسكري في أوروبا على نحو فوري، إذ إن القوات الأمريكية المنتشرة في القارة ما زالت كبيرة وتضم قواعد استراتيجية ومراكز قيادة رئيسة. لكن، سياسياً، تعكس الخطوة اتجاهاً متنامياً رسمته إدارة ترامب لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا من «حماية مجانية» إلى «شراكة مشروطة»، وهذا التحول قد يكون أخطر على المدى الطويل من أي تقليص عددي للقوات. لذلك، يرى محللون أوروبيون أن ترامب لا يهدد الناتو بالضرورة بقدر ما يعيد تشكيله وفق رؤيته التي تقضي بأن تكون أوروبا مطالبة بأن تدفع أكثر وتتسلح أكثر وتتحمل كلفة أمنها بنفسها، في حين تحتفظ واشنطن بدور «الضامن النهائي». ويظل السؤال قائماً حول قدرة أوروبا على مغادرة المظلة الأمريكية والتحول إلى قوة عسكرية مستقلة، قبل أن يتراجع الالتزام الأمريكي بصورة كبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *