الخليج والطاقة المتجددة: من الشمس إلى الهيدروجين الأخضر

عُرفت دول الخليج العربي لعقود بوصفها من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، لكنها باتت خلال السنوات الأخيرة لاعبا متزايد الحضور في قطاع الطاقة المتجددة. فالمنطقة تملك واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي عالميا، ومساحات واسعة من الأراضي المفتوحة، وخبرة طويلة في إدارة مشاريع الطاقة الكبرى، وهي عناصر جعلت التحول نحو مصادر نظيفة خيارا اقتصاديا لا مجرد التزام بيئي.
ويحظى هذا التحول بمتابعة واسعة في تغطيات اخبار الخليج، لأنه يمس قضايا تتجاوز قطاع الكهرباء، مثل تنويع مصادر الدخل وخلق الوظائف والصناعات الجديدة، ومكانة المنطقة في أسواق الطاقة خلال العقود المقبلة.
أهداف الحياد الكربوني في المنطقة
كانت دولة الإمارات أول دولة في المنطقة تعلن مبادرة استراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، وأعلنت المملكة العربية السعودية هدف الوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060 ضمن مبادرة السعودية الخضراء، كما حددت دول خليجية أخرى أهدافا مماثلة بآجال مختلفة. وتقوم هذه الأهداف على مزيج من التوسع في الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتقنيات التقاط الكربون وتخزينه، وزيادة المساحات الخضراء.
وقد منحت استضافة الإمارات مؤتمر الأطراف COP28 في مدينة إكسبو دبي عام 2023 زخما إضافيا لهذا التوجه، إذ وضع المنطقة في قلب النقاش العالمي حول التحول في قطاع الطاقة، وانتهى المؤتمر باتفاق عُرف باسم «اتفاق الإمارات».
الطاقة الشمسية: المشاريع الأبرز
تقود الإمارات والسعودية مشاريع الطاقة الشمسية في المنطقة من حيث الحجم. ففي أبوظبي تعمل محطة نور أبوظبي في منطقة سويحان ومحطة الظفرة للطاقة الشمسية، وهما من أكبر المحطات الشمسية أحادية الموقع في العالم عند تشغيلهما. وفي دبي يتوسع مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية التابع لهيئة كهرباء ومياه دبي على مراحل متتالية تجمع بين الألواح الكهروضوئية وتقنية الطاقة الشمسية المركزة.
اقرأ أيضا: الربط الكهربائي وسكة حديد الخليج: ماذا تعني للمواطن الخليجي؟
وفي المملكة تتولى شركات وطنية في مقدمتها أكوا باور تطوير عدد من المحطات الشمسية ضمن البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومنها محطة سدير. كما تنشط سلطنة عمان وقطر والبحرين والكويت في طرح مشاريع شمسية متفاوتة الأحجام لتلبية الطلب المحلي المتنامي.
ولم يقتصر الدور الخليجي على الداخل، فشركة مصدر الإماراتية وأكوا باور السعودية تستثمران في مشاريع للطاقة النظيفة في عشرات الدول في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ما يحول الخبرة المتراكمة محليا إلى استثمارات خارجية.
وساعد على هذا التوسع الانخفاض الكبير في تكلفة الطاقة الشمسية خلال العقد الأخير، إذ سجلت مناقصات في المنطقة أسعارا للكهرباء الشمسية عُدت من الأدنى عالميا عند طرحها، بفضل وفرة الإشعاع الشمسي ونماذج التمويل طويلة الأجل وعقود شراء الطاقة مع جهات حكومية مستقرة. وجعل ذلك الطاقة الشمسية منافسا مباشرا لمحطات الغاز في توليد الكهرباء، لا مجرد مكمل لها.
الهيدروجين الأخضر: رهان المستقبل
يُنتج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي للماء باستخدام كهرباء من مصادر متجددة، ويُنظر إليه بديلا محتملا للوقود الأحفوري في الصناعات الثقيلة والنقل البحري وإنتاج الأسمدة، وهي قطاعات يصعب تشغيلها بالكهرباء مباشرة. وتملك دول الخليج ميزة نسبية واضحة هنا بفضل انخفاض تكلفة الكهرباء الشمسية وقربها من خطوط الشحن العالمية.
ومن أبرز المشاريع في هذا المجال مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر في شمال غرب المملكة، الذي تطوره شراكة تضم أكوا باور وإير برودكتس ونيوم، ويستهدف إنتاج الهيدروجين بصيغة الأمونيا الخضراء للتصدير. وفي سلطنة عمان أنشئت شركة «هيدروم» لتنظيم تخصيص الأراضي لمشاريع الهيدروجين، بينما أطلقت الإمارات استراتيجية وطنية للهيدروجين.
وتستفيد دول المنطقة في هذا المجال من بنيتها الصناعية القائمة، فهي تملك موانئ تصدير ومصانع للأمونيا والأسمدة وخبرة في نقل الغازات، كما يجري الحديث عن الهيدروجين الأزرق المنتج من الغاز الطبيعي مع التقاط الكربون مرحلة انتقالية إلى جانب الأخضر، ما يمنح المنتجين الخليجيين مرونة في دخول هذه السوق الناشئة.
اقرأ أيضا: إكسبو سيتي دبي: كيف تحوّل موقع إكسبو 2020 إلى مدينة متكاملة
الطاقة النووية السلمية ودورها في المزيج
إلى جانب الشمس والهيدروجين، أدخلت الإمارات الطاقة النووية السلمية إلى مزيجها عبر محطة براكة في منطقة الظفرة، وهي أول محطة نووية متعددة المفاعلات في العالم العربي، وقد اكتمل تشغيل وحداتها الأربع لتوفر حصة مهمة من الكهرباء الخالية من الانبعاثات. ويتابع المهتمون بأسواق الطاقة والعقار والاستثمار في الإمارات هذه المشاريع وانعكاساتها عبر منصات اخبار دبي والمنصات الاقتصادية المتخصصة، نظرا لارتباطها بتكلفة الطاقة على المدى الطويل.
تحديات ينبغي أخذها في الحسبان
رغم الزخم الكبير، يواجه التحول في المنطقة تحديات عملية، أبرزها:
- تخزين الطاقة، لأن الإنتاج الشمسي يتوقف ليلا ويتطلب بطاريات أو حلولا بديلة لضمان استقرار الشبكة.
- تأثير الغبار والحرارة المرتفعة على كفاءة الألواح، ما يستلزم تنظيفا وصيانة مستمرين.
- ارتفاع تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر ونقله مقارنة بالبدائل التقليدية حتى الآن.
- الحاجة إلى أطر تنظيمية وأسواق تصدير واضحة وعقود شراء طويلة الأجل.
كما يستدعي التوسع في الطاقة المتجددة تطوير الشبكات الكهربائية وربطها إقليميا، وهو مجال تعمل عليه دول مجلس التعاون عبر هيئة الربط الكهربائي الخليجي، في إطار أوسع من التنسيق الاقتصادي الذي ترعاه الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ويبدو أن دول الخليج تسعى إلى معادلة توازن فيها بين دورها التقليدي في إمدادات النفط والغاز وبين حجز موقع مبكر في اقتصاد الطاقة النظيفة، مستفيدة من مواردها الطبيعية وقدرتها الاستثمارية، وهو مسار ستتضح نتائجه تدريجيا مع اكتمال المشاريع الكبرى ونضوج أسواق الهيدروجين عالميا.




