عربي و عالمي

بريطانيا تراجع علاقتها بالاتحاد الأوروبي: فرص العودة أم تحسين الاتفاق؟

بريطانيا تراجع علاقتها بالاتحاد الأوروبي: فرص العودة أم تحسين الاتفاق؟

أعاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام طرح مسألة مستقبل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي على طاولة النقاش، داعيا إلى إعادة تقييم الترتيبات التي تلت خروج بريطانيا من التكتل وفتح الباب أمام مجموعة من الخيارات تتراوح بين تحسين الاتفاق التجاري الحالي وتعزيز الارتباط بالسوق الأوروبية وصولاً إلى احتمال الانضمام مرة أخرى إلى الاتحاد.

إعادة تقييم العلاقات بعد البريكست

يأتي هذا التحول في الخطاب بعد سنوات من انقسام عميق حول ملف البريكست، حيث كان مؤيدو الخروج يركزون على استعادة السيادة الوطنية والتحكم في الحدود والسياسات التجارية، بينما يحذر معارضون من أن الابتعاد عن السوق الأوروبية قد يرفع تكلفة التجارة ويضعف جاذبية الاقتصاد البريطاني للاستثمار.

ويشير بيرنهام إلى أن مناقشة مستقبل العلاقة يجب أن تتم بهدوء وواقعية، بعيدا عن التمسك بالوضع الراهن دون استكشاف بدائل قد تدعم النمو الاقتصادي وتحسّن إدارة ملف الهجرة. ويعتزم عرض رؤيته أمام البرلمان كخطوة تعكس استعداده لفتح نقاش ظل حساسا منذ استفتاء عام 2016.

التأثير الاقتصادي والتحديات

تواجه بريطانيا صعوبات تتعلق بضعف الإنتاجية وتكاليف التجارة والاستثمار، وهي عوامل أعادت الاهتمام بتقييم تأثير الخروج من الاتحاد على الأداء الاقتصادي طويل الأجل.

وفقا لتحديثات مكتب مسؤولية الميزانية البريطاني الصادرة في مارس 2026، فإن ترتيبات التجارة التي تلت البريكست قد تخفض الإنتاجية على المدى الطويل بنحو أربعة بالمئة مقارنة بالسيناريو الذي بقيت فيه البلاد عضوا في الاتحاد. ويعزى هذا التقدير بشكل رئيسي إلى الحواجز غير الجمركية التي زادت صعوبة التبادل التجاري بين الجانبين.

ويوضح المكتب أن هذا الرقم لا يعني بالضرورة تراجع الاقتصاد البريطاني بأربع بالمئة أو أن جميع مشكلاته ناتجة عن الخروج، بل يقارن مستوى الإنتاجية المتوقع على المدى الطويل بما كان يمكن أن يحققه الاقتصاد في سيناريو بديل يستمر فيه التكامل الأوروبي.

ويشير التقدير إلى كلفة الاحتكاكات التجارية الإضافية، لا سيما بالنسبة للشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد عابرة للحدود أو تصدر منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية. بعد انتهاء الفترة الانتقالية للبريكست ودخول اتفاق التجارة والتعاون حيز التنفيذ في يناير 2021، لم تعد التجارة بين بريطانيا والاتحاد تجري وفق ترتيبات العضوية السابقة، وعلى الرغم من استمرار الإعفاء من الرسوم الجمركية على كثير من السلع المستوفية لقواعد المنشأ، فإن الشركات تواجه متطلبات إضافية تتعلق بالإجراءات الحدودية والمستندات والامتثال التنظيمي.

هذه المتطلبات تزيد من الوقت والتكاليف، وقد يكون تأثيرها أكبر على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى الموارد المتاحة للشركات الكبرى للتعامل مع الإجراءات الجديدة.

وبناء على ذلك، ترى الجهات المؤيدة للتقارب أن تخفيف الحواجز التجارية قد يساعد على توسيع الأسواق المتاحة للشركات البريطانية وتحسين تدفق السلع والاستثمارات وتعزيز المنافسة والإنتاجية، لكن حجم المكاسب سيعتمد على طبيعة الاتفاق الجديد ومدى التوافق التنظيمي الذي تكون لندن مستعدة لقبوله.

مسارات مستقبلية محتملة

لا تقتصر الخيارات المطروحة على العودة الكاملة إلى الاتحاد؛ يمكن لبريطانيا التحرك تدريجيا نحو علاقة أكثر تكاملا مع اختلاف الالتزامات والمكاسب في كل مسار.

أولاً: تحسين الاتفاق القائم. يتيح هذا الخيار التفاوض على تسهيلات تجارية وتنظيمية جديدة دون إعادة فتح ملف العضوية، وقد يشمل تقليص بعض الإجراءات الحدودية وتعاونا في قطاعات محددة وربط أنظمة تداول الكربون وتسهيل حركة بعض المنتجات الزراعية والغذائية.

ثانياً: الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة. قد يخفف الاتحاد الجمركي بعض الحواجز المرتبطة بالتجارة السلعية لكنه يحد من قدرة بريطانيا على إبرام اتفاقات تجارية مستقلة في المجالات المشمولة. أما الارتباط بالسوق الموحدة فيمكن أن يوسع فرص الوصول إلى الأسواق الأوروبية، لكنه يتطلب توافقاً تنظيمياً أعمق وقد يستلزم قبول قواعد أوروبية في مجالات محددة.

ثالثاً: استعادة العضوية الكاملة. يمثل هذا الخيار تحولا أكبر إذ يعيد بريطانيا إلى المؤسسات الأوروبية وآليات صنع القرار المشتركة، لكنه يتطلب طلب انضمام ومفاوضات وموافقات قانونية وسياسية ولا يمكن إنجازه بمجرد إعلان الحكومة رغبتها في العودة.

وتشير تقارير بريطانية إلى أن بيرنهام يرغب في إبقاء هذه الخيارات مطروحة للنقاش، بما فيها العودة إلى الاتحاد، بدلا من استبعادها مسبقا. ومع ذلك، لا يعني فتح النقاش أن الحكومة قد اتخذت قرارا بالعودة إلى العضوية الكاملة.

التجارة والهجرة.. اختبار الاتفاق الجديد

يمثل التوفيق بين المصالح الاقتصادية والسياسات الحدودية أحد أبرز التحديات أمام أي تقارب جديد. فمؤيدو العلاقات الأوثق مع أوروبا يرون أن تسهيل التجارة وانتقال بعض الفئات يمكن أن يدعما النمو، بينما يخشى المعارضون أن يؤدي التقارب إلى تقليص قدرة بريطانيا على التحكم في قواعد الهجرة.

تشمل الملفات المطروحة تعزيز التعاون في التجارة الغذائية وربط أسواق تداول الكربون، بالإضافة إلى بحث برنامج محدود المدة يتيح للشباب السفر والعمل والدراسة على جانبي القناة الإنجليزية وفق شروط يتفق عليها الطرفان.

وكان بريطانيا والاتحاد الأوروبي قد أعلنا بالفعل التقدم في مسارات تعاون بعد قمة مايو 2025، شملت العمل على برنامج لتبادل الشباب والانضمام إلى برنامج «إيراسموس بلس» للتعليم والتدريب في 2027، إلى جانب مفاوضات بشأن التجارة الغذائية وأسواق الكربون.

ومن المتوقع أن تكون القمة البريطانية الأوروبية المقررة في بروكسل في 20 نوفمبر محطة مهمة لمناقشة الملفات العالقة، فيما لا تزال بعض التفاصيل محل تفاوض، بما فيها شروط برنامج تنقل الشباب والرسوم الجامعية للطلاب الأوروبيين في بريطانيا.

وقد يوفر الاتفاق الجديد مكاسب عملية للشركات والمستهلكين حتى من دون عودة بريطانيا إلى الاتحاد، إلا أن هذه المكاسب ستعتمد على مدى قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات بشأن الالتزامات التنظيمية والحدود والتمويل.

هل تغير المزاج الشعبي البريطاني؟

لم يعد التأييد الشعبي للعودة إلى الاتحاد الأوروبي عند المستويات نفسها التي سادت خلال السنوات الأولى بعد الاستفتاء، إذ تشير استطلاعات حديثة إلى تنامي الرغبة في إعادة النظر في القرار، وإن كانت النتائج تختلف بحسب صيغة السؤال والشروط المرتبطة بالعودة.

وأظهر استطلاع أجرته «إبسوس» ونُشرت نتائجه في يونيو 2026 أن 52 بالمئة من البريطانيين يؤيدون التقدم بطلب للانضمام مجددا إلى الاتحاد، مقابل 33 بالمئة يفضلون بقاء البلاد خارجه. وارتفعت نسبة المؤيدين إلى 58 بالمئة عند سؤال الناخبين المرجح مشاركتهم في استفتاء افتراضي.

لكن التأييد ليس مطلقا. فقد أظهر استطلاع منفصل لـ «يوغوف» أن نسبة المؤيدين للعودة، البالغة 55 بالمئة في السؤال العام، تنخفض إلى 35 بالمئة إذا كانت العضوية الجديدة تعني التخلي عن الاستثناءات التي تمتعت بها بريطانيا سابقا.

وكشف هذا التباين أن الناخبين قد يكونون أكثر استعدادا لتأييد علاقة أوثق مع أوروبا، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على الشروط التي ينبغي أن تحكم العودة. فالموقف من حرية التنقل والمساهمة في ميزانية الاتحاد والسياسات النقدية والحدود قد يؤثر في حجم الدعم الشعبي لأي اتفاق.

وكان استفتاء يونيو 2016 قد انتهى بتأييد الخروج بنسبة 51.9 بالمئة مقابل 48.1 بالمئة للبقاء، ما يعكس ضيق الفارق الذي حسم أحد أهم التحولات السياسية والاقتصادية في تاريخ بريطانيا الحديث. ولذلك، فإن أي محاولة للعودة ستحتاج إلى معالجة الانقسامات التي لا تزال قائمة وبناء دعم سياسي وشعبي واضح.

عقبات قانونية وسياسية أمام العودة

حتى مع تزايد الدعوات إلى إعادة الانضمام، فإن العودة ليست قرارا تستطيع لندن اتخاذه من جانب واحد. فالمادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي تنظم عملية انضمام الدول الأوروبية، وتتطلب التقدم بطلب واستيفاء المعايير اللازمة ثم إجراء مفاوضات والحصول على الموافقات المطلوبة وفق الإجراءات الأوروبية والوطنية.

كما أن بريطانيا لن تتمكن بالضرورة من استعادة جميع الاستثناءات والترتيبات الخاصة التي كانت تتمتع بها قبل خروجها، ومنها الاستثناء المتعلق بتبنّي اليورو وبعض ترتيبات الحدود والعدالة والخصم الذي كانت تحصل عليه من مساهمتها في ميزانية الاتحاد. وستكون هذه المسائل parte من أي مفاوضات مستقبلية، وقد تشكل مصادر خلاف بين لندن والعواصم الأوروبية.

وفي الداخل البريطاني، قد تواجه الحكومة معارضة من قوى سياسية ترى أن إعادة فتح ملف العضوية تتجاهل نتيجة استفتاء 2016 أو تعتبر أن استعادة استقلال القرار التجاري والحدودي لا تزال أولوية. وفي المقابل، يرى مؤيدو العودة أن الظروف الاقتصادية والجيوسياسية تغيرت، بما يستدعي مراجعة الخيارات المتاحة.

أما على الجانب الأوروبي، فإن الترحيب بتحسين العلاقات لا يعني بالضرورة الاتفاق على شروط عضوية بريطانية جديدة. فالدول الأعضاء ستحتاج إلى تقييم الالتزامات المالية والتنظيمية وأثر عودة اقتصاد بحجم بريطانيا في مؤسسات الاتحاد وتوازناته.

هل تعود بريطانيا فعلا؟

في المدى القريب، تبدو إعادة بناء العلاقة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي أكثر واقعية من العودة الفورية إلى العضوية الكاملة. فالتقدم في ملفات التجارة والطاقة والتعليم وتداول الكربون يمكن أن يحقق فوائد ملموسة من دون الدخول مباشرة في مفاوضات شاملة ومعقدة بشأن الانضمام.

لكن فتح النقاش حول العضوية يمثل تحولا سياسيا مهما، لأنه ينقل السؤال من كيفية التعايش مع نتائج البريكست إلى تقييم ما إذا كان الخروج لا يزال يخدم المصالح البريطانية على المدى الطويل.

وستتوقف الخطوات المقبلة على ثلاثة عوامل رئيسة: حجم المكاسب الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من التقارب، واستعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم ترتيبات مقبولة للطرفين، وقدرة الحكومة البريطانية على بناء توافق داخلي حول طبيعة العلاقة المنشودة.

وعليه، فإن عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي ليست نتيجة محسومة ولا قرارا وشيكا، لكنها لم تعد خارج النقاش السياسي كما كانت في السابق. وبين تحسين الاتفاق القائم واستعادة العضوية الكاملة، يبدو أن لندن تتجه أولا إلى اختبار ما يمكن أن يحققه التقارب قبل حسم السؤال الأكبر: هل كان البريكست نهاية العلاقة الأوروبية أم مرحلة يعاد بعدها رسمها بشروط جديدة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *