رسالة إلى أبي: بوصلة راشد بن سعيد التي لا تزال توجه دبي

يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رسالةً إلى والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، يَصفُها بأنها أكثر من مجرد كلمات وفاء؛ فهي نافذة على فكر قائد يستقي من سيرة والده المبادئ التي شكّلت تجربته في الحكم والتنمية.
القيادة كمشوار متواصل
في الرسالة يؤكد سموه أن كل إنجاز تحقق بعد رحيل الوالد يحمل شيئًا منه، وكل حلم جديد يسعى وراءه امتدادٌ لأحلام الوالد، وكل سطر يُكتب في مجد الوطن هو جزء من كتاب الوالد. ويرى أن القيادة رحلة متصلة لا تبدأ من الصفر مع كل جيل، فالأوطان تُبنى كما تُبنى البيوت المتينة: يضيف كل قادم إلى ما شيّده من سبقه دون هدم الأساس. هذه القناعة ليست مجرد تواضع، بل فهمٌ عميق لسرّ الاستقرار؛ فالتجارب التي تنقطع عن جذورها تضطرب، بينما التي تحتفظ بذاكرتها وتبني عليها تمضي بثبات.
البوصلة القيمية لتوجيه التنمية
يستذكر سموه أن والده كان يحمل في أسفاره بوصلةً صغيرةً تدله على اتجاه القبلة وقت الصلاة، ويقول له: “بوصلتك ما زالت معنا.. تدلنا على الاتجاه، وتحدّد لنا التوجّه، وتحفظ لنا الطريق نحو الغاية التي وضعتها لدبي”. ويشرح أن الحركة السريعة بلا اتجاه واضح قد تقود إلى التيه، بينما عندما تكون البوصلة ثابتة فإن كل خطوة مهما تسارعت تقرّب من الغاية. ثم يوضح سموه ترتيب أولويات هذه البوصلة: أولًا القيم – حفظ المعروف للناس، الحكم بالعدل، الرحمة بالناس – ثم البناء – تطوير المشاريع، استقبال الحالمين، تحسين الخدمات للمواطنين والمقيمين – ثم الاقتصاد – دعم التجار، رفع مستوى الأحلام، بناء مجد البلاد. فالعدل والرحمة يسبقان العمران، والإنسان يسبق الاقتصاد، وذكر “المواطنين والمقيمين” معًا و”استقبال الحالمين” يعكسان انفتاح المدينة على كل من يحمل حلماً ويريد بناؤه.
السلطة أمانة والثقة أساس الرخاء
من أعمق مقاطع الرسالة الدروس التي تعلّمها سموه من والده في أخلاق الحكم: لا رجاء للحاكم الظالم في رحمة الله، ولا عزّ لمن غرّته السلطة فأنسته حقوق البسطاء، ولا رخاء إلا في الثقة بين الحاكم والمحكوم. يرى سموه أن السلطة مسؤولية قبل أن تكون مكانة؛ فالحاكم يقف أمام الله قبل أن يقف أمام الناس، والعدل هو ما يمنح الحكم شرعيته الحقيقية. وأخطر ما يهدد صاحب السلطة هو أن تغترّ به فينسى البسطاء الذين وُجد لخدمتهم. ويربط سموه العزّ الحقيقي بالقرب من الناس، ويجعل الثقة المتبادلة بين القيادة والمجتمع أساسًا للرخاء. ويحذر من التكبر، والنزوات، والسهو عن الواجبات، وتجاهل مطالب الناس، مؤكدًا أن الحاكم يجب أن يكون حاضرًا دائمًا لمسؤولياته، قريبًا من هموم الناس، لا يشغله شيء عن واجبه.
إرث القيم في الأجيال القادمة
يذكر سموه أن والده علمه أن الكلمة شرف الرجل، فلا يحب النفاق والمنافقين، ولا مدّعي المعرفة ولا المدّاحين. ويؤكد أن الكلمة الصادقة تعين صاحب القرار على رؤية الواقع كما هو، بينما المديح الزائف وادعاء المعرفة يحجبان عنه الحقيقة؛ لذلك يقوم القرار الرشيد في فكره على صدق المشورة وأمانة الرأي. ومن هذا المنبع الأخلاقي ذاته تأتي نظرة سموه إلى الدين: الدين محبة ورحمة وتسامح وتعارف بين البشر، والكريم من يكرم الناس، واللئيم من يتكبّر على خلق الله؛ وهو فهمٌ يجمع ولا يفرّق، ويرى في اختلاف الناس دعوة إلى التعارف، وهو الجذر الأصيل لنهج التسامح والتعايش الذي تتبناه الدولة.
ويصف سموه درسًا شاهده في والده لم يسمعه بل رآه في شمائله وتصرفاته: “تعلمت من أبي أن القائد لا يرفع صوته.. كنت أرى هدوء صوته، وبساطة مجلسه، وعمق نظرته، فأعلم أن العظمة لا تحتاج الكثير من الضجيج”. ويشير إلى أن الهيبة الحقيقية تولد من عمق الرؤية وهدوء القرار، وأن الإنجاز هو أبلغ متحدث باسم صاحبه. ويعيد هذا المعنى حين يصف نجله سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم بأنه “قليل الكلام، كثير التفكّر، عظيم الإنجاز”، ليؤكد أن هذا النهج لم يبقَ درسًا في الذاكرة بل صار سمة تتوارثها الأجيال.
ويستخلص سموه من مدرسة والده أن ساعات الفجر الأولى هي أعظم الأوقات لاتخاذ القرارات والتفكّر في مختلف الموضوعات ومتابعة أهم المشاريع؛ فأن يبدأ يومه مع الفجر يمنح القائد مساحة للتفكير قبل أن تتزاحم عليه المسؤوليات، ويستقبل يومه برؤية واضحة لما يريد إنجازه.
ويُضيف سموه دروسًا أخرى تلقاها من والده: حسن التخطيط، وبُعد النظر، وعدم التبذير، واستغلال الموارد -على قلّتها- لتعظيم الأثر على البلاد والعباد. يشرح أن معيار النجاح عند الوالد لم يكن في حجم ما يُنفق بل في حجم ما يُحدث من أثر في حياة الناس، ومن هنا ورث سموه فكرة “تعظيم الأثر” التي تجعل كل مشروع يُقاس بما يضيفه إلى الإنسان والمكان.
ويصل سموه إلى أحد أهم دروس والده: “علمني أبي أن المصداقية مع الشركاء والشركات والمصارف والمؤسسات والحكومات هي عملة دبي الحقيقية.. لا تفريط فيها ولا تهاون مع من يحاول المساس بها”. ويوضح أن دبي التي قامت على التجارة عرفت منذ البداية أن ثروتها الحقيقية في ثقة العالم بكلمتها؛ فالشريك الذي يثق بالمدينة يعود إليها، والمستثمر الذي يطمئن إلى وعودها يبني فيها. ويضع هذا الدرس بجانب قوله “لا رخاء إلا في الثقة بين الحاكم والمحكوم” ليظهر أن الثقة معيار أساسي للرفعة والنماء، وثقة الناس بقيادتهم تصنع الاستقرار، وثقة الشركاء بالمدينة تصنع الازدهار.
ويخاطب سموه أباه في ختام الرسالة: “ليتك ترى أحفادك اليوم يا أبي”، ثم يرى في نجله سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم شغف البدايات وشرارة الانطلاقات وحماسة الأفكار الكبرى؛ وفي سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم هدوء الوالد الذي يخفي عزيمة وقوة وهمّة وإصرارًا، ورجولة ومسؤولية تحمل الجبال؛ وفي سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم قلبًا يحمل همّ الوطن ورسالته. ويؤكد أن القيادة عنده لا تنتقل بالمناصب وحدها بل بالقيم التي يتشرّبها الأبناء منذ الصغر، وأن متابعة حمدان تدل على إعداد القادة عبر متابعة مستمرة وتوجيه دائم.
وفي النهاية يقول سموه: “ما زلتَ حاضراً معنا.. بفكرك، وأفكارك، وقيمك، وأخلاقك، وأحفادك”، ثم يضيف “وستبقى” بكلمة واحدة يبيّن بيقين أن ما غرسه الوالد أعمق من أن يطويه الزمن. ويختم رسالته بدعاء صادق: “رحم الله أبي.. ذلك الشهم الأبيّ”.
رحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، لكن بوصلته ما زالت تهدي مسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كما كانت تهدي صاحبها في أسفاره، وتدل دبي على طريقها كلما مضت نحو حلم جديد.




