دبي بوابة إقليمية لرواد الأعمال البريطانيين نحو أسواق الخليج وأفريقيا

تتحول دبي بسرعة إلى وجهة استراتيجية مفضلة للمؤسسين وأصحاب المشاريع من بريطانيا الذين يسعون إلى التوسع خارج حدود المملكة المتحدة. ويستفيد هؤلاء من متانة العلاقات التجارية الثنائية ومن موقع الإمارة كمركز إقليمي يمنحهم نافذة على أسواق الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا.
شراكة اقتصادية راسخة
تُظهر الأرقام حجم الروابط الاقتصادية بين الجانبين: فقد بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات بين المملكة المتحدة والإمارات 25 مليار جنيه إسترليني خلال العام 2025، وفقاً لبيانات الحكومة البريطانية. كما سجلت الصادرات البريطانية إلى الإمارات نحو 15.7 مليار جنيه إسترليني في الفترة نفسها. وتشير الإحصاءات البريطانية أيضاً إلى وجود أكثر من 5 آلاف شركة بريطانية تعمل داخل الإمارات.
تصنف الحكومة البريطانية الإمارات ضمن أهم أسواق التصدير لشركاتها، بينما تُعتبر دبي مركزاً إقليمياً للتجارة والأعمال وبوابة إلى بقية دول مجلس التعاون. وهذا يمنح الشركات التي تختار الإمارة مقراً لها فرصة الوصول إلى قاعدة أوسع من العملاء والأسواق. وتحدد الجهات التجارية البريطانية قطاعات مثل الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم وعلوم الحياة كمجالات واعدة للنمو للشركات البريطانية في الإمارات.
اختيار هيكل الشركة المناسب
تبدأ رحلة تأسيس الأعمال في دبي باختيار المكان الأمثل لتسجيل الشركة، وهو قرار يعتمد بشكل أساسي على طبيعة العملاء، ونوع الأنشطة التجارية، وخطط الملكية، والتوجهات المستقبلية للتوظيف. تحصل شركات “البر الرئيسي” على تراخيصها عبر دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، ويُسمح للمستثمرين الأجانب بتملك شركاتهم بنسبة 100% في العديد من القطاعات التجارية. وإلى جانب ذلك، تضم دبي أكثر من 20 منطقة حرة مخصصة لمختلف الصناعات.
تتيح التشريعات الإماراتية للمستثمرين الأجانب التملك الكامل للشركات في معظم الأنشطة، باستثناء بعض الأنشطة ذات الأثر الاستراتيجي التي تتطلب موافقات خاصة. كما توفر المناطق الحرة إمكانية التملك الأجنبي الكامل ضمن أطرها التنظيمية. وتكتسب المناطق الحرة أهمية خاصة للشركات الدولية العاملة في الاستشارات والتكنولوجيا والخدمات، لا سيما تلك التي تستهدف أسواقاً خارج الإمارات. لكن اختيار المنطقة الحرة أو البر الرئيسي لا يرتبط فقط بسرعة التأسيس أو تكلفة الترخيص، بل يجب أن يتوافق مع النشاط الفعلي للشركة وطبيعة العملاء وآلية تحقيق الإيرادات.
قبل تقديم طلب التأسيس، يحتاج المؤسس إلى تحديد النشاط القانوني بدقة، واختيار الاسم التجاري، ومراجعة متطلبات الترخيص والتأشيرات، بالإضافة إلى مقارنة التكلفة الأولية برسوم التجديد والخدمات الإضافية. تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن تغيير النشاط أو هيكل الترخيص لاحقاً قد يترتب عليه تكاليف وإجراءات جديدة.
تأسيس رقمي سريع وبيئة ضريبية تنافسية
تقدّم منطقة ميدان الحرة نموذجاً للتأسيس الرقمي السريع عبر رخصة “فوري” للمؤسسين المؤهلين، التي تبدأ تكلفتها من 15 ألف درهم، مع إصدار الرخصة في أقل من 60 دقيقة بعد استكمال الطلب والدفع ومتطلبات الامتثال. تتيح الخدمة الاختيار من أكثر من 1800 نشاط تجاري وإمكانية الجمع بين ما يصل إلى ثلاث مجموعات من الأنشطة ضمن الترخيص. ومع ذلك، يجب ألا تكون سرعة إصدار الرخصة العامل الحاسم الوحيد؛ إذ يتعين أولاً التأكد من أن الأنشطة المختارة تتطابق مع نموذج الأعمال ومصادر الإيرادات الفعلية. وتوفر ميدان أيضاً مساراً عادياً يضم أكثر من 2500 نشاط، ما يمنح الشركات التي تحتاج إلى هيكل أوسع خيارات إضافية.
تشكل البيئة الضريبية أحد العناصر المهمة في حسابات المؤسسين عند مقارنة أسواق التوسع. لا تفرض الإمارات ضريبة دخل شخصية على الأفراد، وتخضع الشركات لضريبة الشركات وفق القواعد الاتحادية. تبلغ ضريبة الشركات 0% على الدخل الخاضع للضريبة حتى 375 ألف درهم، و9% على الدخل الذي يتجاوز هذا الحد. أما الشركات المؤهلة في المناطق الحرة، فيمكنها الاستفادة من معدل 0% على “الدخل المؤهل” وفق الشروط المحددة، بينما يخضع الدخل غير المؤهل للمعدل القياسي البالغ 9%. كما يجب على الشركات متابعة التزامات ضريبة القيمة المضافة؛ إذ يصبح التسجيل إلزامياً عندما تتجاوز التوريدات والاستيرادات الخاضعة للضريبة 375 ألف درهم سنوياً، مع إمكانية التسجيل اختيارياً عند تجاوز 187.5 ألف درهم. بالنسبة للمؤسسين البريطانيين، تبقى مراجعة الالتزامات الضريبية في المملكة المتحدة خطوة منفصلة قبل نقل النشاط أو تأسيس كيان جديد في الإمارات، خاصة للشركات والأفراد الذين يحتفظون بإقامات أو أصول أو أنشطة اقتصادية في بريطانيا.
قطاعات النمو الواعدة
لا تقتصر جاذبية دبي للمؤسسين البريطانيين على سهولة تأسيس الشركات، بل ترتبط أيضاً بفرص النمو التي توفرها أسواق المنطقة. تحدد الحكومة البريطانية الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم وعلوم الحياة بين أبرز القطاعات ذات المصالح المشتركة والفرص التجارية في الإمارات. تشير بيانات الحكومة البريطانية إلى وجود فرص في الخدمات المالية والمهنية، بينما تتيح خطط الإمارات في الطاقة النظيفة فرصاً للشركات العاملة في الهيدروجين والطاقة الشمسية والاستدامة. كما يشهد قطاع علوم الحياة طلباً على الخدمات الطبية والتقنيات الصحية والحلول الرقمية والتصنيع الدوائي، فيما يوفر التصنيع المتقدم فرصاً مرتبطة بالتكنولوجيا والأتمتة وسلاسل التوريد.
يأتي ذلك بالتزامن مع تركيز الاستراتيجية الصناعية البريطانية على قطاعات مثل التصنيع المتقدم والطاقة النظيفة وعلوم الحياة والخدمات المالية والتكنولوجيا والقطاعات المهنية، مما يفتح مساحات إضافية أمام الشركات البريطانية لتوظيف خبراتها في أسواق الخليج. بالنسبة للمؤسس البريطاني، تتحول دبي بذلك من مجرد سوق جديدة إلى منصة للتوسع الإقليمي؛ فالقيمة لا تكمن فقط في تأسيس شركة داخل الإمارة، وإنما في إمكانية بناء قاعدة تشغيلية ومالية وتجارية تمكنه من خدمة عملاء في الإمارات ودول الخليج والأسواق الأوسع في الشرق الأوسط، مع الاستفادة من شبكة العلاقات التجارية القائمة بين بريطانيا والإمارات.



