صفقة استحواذ إماراتية على كوفيسترو تتجاوز حجم التجارة الثنائية مع ألمانيا

تفاصيل الصفقة والقيمة
قبل توقيع الاتفاقات الأخيرة بين الإمارات وألمانيا، كان هناك مؤشر يمكن من خلاله توقع تطور العلاقات الاقتصادية. فبينما بلغ التبادل التجاري بين البلدين حوالي 14 مليار يورو، أظهرت صفقة استثمارية واحدة قيمة تفوق هذا المجموع całkowicie.
بعد عقود كانت العلاقة تقتصر على الصادرات والواردات وحضور الشركات الألمانية في السوق الإماراتية، أصبحت الإمارات اليوم مالكًا استراتيجيًا داخل إحدى أكبر الشركات الصناعية الألمانية. ذلك عبر استحواذ منصة الاستثمارات الدولية التابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» المسماة «XRG» على شركة «كوفيسترو».
بلغت قيمة استثمار «XRG» لشراء «كوفيسترو» نحو 14.7 مليار يورو، متجاوزة بذلك حجم التبادل التجاري بين الإمارات وألمانيا الذي سجل 13.56 مليار يورو خلال عام 2025. والفرق بين الرقمين لا يعني تماثلًا اقتصاديًا؛ فالتبادل التجاري يتكرر سنويًا بينما الاستحواذ يمثل استثمارًا رأسماليًا طويل الأجل، لكنه يوضح حجم التحول في الحضور الاقتصادي الإماراتي داخل ألمانيا.
من هي كوفيسترو؟
تقع مقر «كوفيسترو» في ليفركوزن وهي واحدة من الشركات العالمية الرائدة في إنتاج مواد البوليمر عالية التقنية. تدخل منتجاتها في قطاعات السيارات والبناء والإلكترونيات والأجهزة المنزلية والرعاية الصحية. تنتج الشركة مواد تُستخدم في العزل الحراري للمباني والثلاجات، وهياكل الحواسيب والهواتف، والطلاءات المستخدمة في السيارات، والمواد اللاصقة ومواد الاستخدامات الطبية والصناعية.
سجلت «كوفيسترو» إيرادات بلغت نحو 12.94 مليار يورو في 2025، أي أن مبيعاتها السنوية تقترب من حجم التجارة الإماراتية–الألمانية بأكملها. وتعمل لديها أكثر من 18 ألف موظف حول العالم، بينهم نحو 7700 موظف في ألمانيا.
الالتزامات والآفاق المستقبلية
وبحسب البيانات المنشورة، بدأت مفاوضات الاستحواذ قبل الإعلان الرسمي بفترة طويلة. في يونيو 2024 دخلت «كوفيسترو» في مفاوضات رسمية مع «أدنوك» بشأن صفقة محتملة بعد مباحثات سابقة. وفي الأول من أكتوبر 2024 وقعت الشركة الألمانية اتفاق استثمار مع «أدنوك الدولية»، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من منصة «XRG»، ونص الاتفاق على تقديم عرض نقدي لجميع المساهمين بسعر 62 يورو للسهم.
كان هذا السعر يعادل علاوة بنحو 54% على سعر سهم «كوفيسترو» قبل ظهور أنباء الصفقة للمرة الأولى في الأسواق، ما دفع مجلسي الإدارة والإشراف إلى التوصية للمساهمين بقبول العرض. وقدّر عرض الشراء حقوق ملكية الشركة بنحو 11.7 مليار يورو.
بالإضافة إلى شراء الأسهم، التزمت «XRG» بضخ 1.17 مليار يورو مباشرة في «كوفيسترو» عبر زيادة رأس المال بنسبة 10%، ما أدى إلى إصدار 18.9 مليون سهم جديد بسعر 62 يورو للسهم.
استغرق إتمام الصفقة أكثر من عام بعد توقيع الاتفاق نظراً لحجم الشركة وحساسية القطاع الصناعي. وخضعت العملية للمراجعة وفق قواعد الاستثمار الأجنبي الألمانية وقواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بالدعم الأجنبي. وفي نوفمبر 2025 حصلت «XRG» على آخر الموافقات المطلوبة، بما فيها موافقة وزارة الاقتصاد الألمانية والموافقة الأوروبية، لتكتمل عملية الاستحواذ في 10 ديسمبر 2025.
وبنهاية 2025 أصبحت «XRG» والشركات التابعة لها تملك نحو 95.1% من رأسمال «كوفيسترو»، بعد أن بلغ عدد الأسهم التي تملكها قرابة 198 مليون سهم.
من العناصر اللافتة في الاتفاق أن المستثمر الإماراتي لم يربط الصفقة بخطط لتقليص الشركة أو نقلها خارج ألمانيا. فنص agreement على الإبقاء على «كوفيسترو» شركة ألمانية، واحترام نظام الحوكمة الألماني وحقوق مجالس العمال واتفاقات العمل الجماعية، كما التزم بعدم المبادرة إلى بيع أعمال رئيسية للشركة أو إغلاقها أو تقليصها بصورة كبيرة خلال مدة الاتفاق.
وتضمن الاتفاق أيضًا حماية التكنولوجيا والملكية الفكرية لـ«كوفيسترو» والإبقاء على مجلس إشراف يشارك فيه ممثلو الموظفين، ويستمر الاستثمار بهذه الالتزامات حتى نهاية 2028.
ولهذا تحمل «كوفيسترو» معنى يتجاوز الحساب المالي للصفقة. فالعلاقة الاقتصادية الإماراتية–الألمانية كانت تاريخياً واضحة الاتجاه: ألمانيا تصدر السيارات والآلات والمعدات والتكنولوجيا إلى الإمارات، بينما كان حجم الاستثمار الإماراتي داخل القاعدة الصناعية الألمانية أقل من حجم العلاقة التجارية.
واستشهد الجانب الإماراتي بالصفقة خلال زيارة المستشار فريدريش ميرتس إلى أبوظبي في فبراير الماضي باعتبارها مثالًا على الشراكة الاقتصادية الجديدة، ووصف «كوفيسترو» بأنها «بطل صناعي ألماني» يدعم الاستثمار الإماراتي نموه على المدى الطويل.
ومع إعلان الإمارات خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الحالية عزمها رفع استثماراتها في ألمانيا إلى 40 مليار يورو، يمكن النظر إلى «كوفيسترو» باعتبارها نموذجًا لنوعية الاستثمار التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة.



