الرئيسيةكتاب و آراءالمنزل تحت عدسة المتابعين: حين تتحول...
كتاب و آراء

المنزل تحت عدسة المتابعين: حين تتحول جدران البيت إلى ديكور للمباهاة

08/09/2026 01:00

كان المنزل في الأساس ملاذاً للهدوء والراحة، مكاناً نعوده بعد عناء الخارج لنكون على سجيتنا. لكن مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن هذا المفهوم قد تغير لدى كثيرين، فظهرت أسئلة جديدة: كيف ستظهر صور منزلي؟ وهل سينال إعجاب المشاهدين على سناب شات مثلاً؟

ديكور للتصوير لا للسكنى

أصبحنا نرى منازل صُممت تفاصيلها لتظهر في الصور أكثر مما صُممت لراحة قاطنيها. تُنتقى قطع الأثاث والديكورات وفق ما هو رائج على المنصات الاجتماعية، وتتغير الألوان والتصاميم لمجاراة النمط الأكثر انتشاراً وتصويراً، حتى لو لم يعبّر عن ذوق أصحاب البيت أو يلبي احتياجاتهم، بل ربما يتجاوز قدراتهم المادية. وكأننا، من دون وعي، تركنا لذوق الجمهور أن يدخل بيوتنا ويشاركنا اختيار الأثاث والتفاصيل.

الجمال المثالي يتحول إلى قلق دائم

لا أقصد هنا حب التجمل أو الاهتمام بالمنزل، فهذا أمر طيب، فالبيت الجميل والمرتب ينعكس إيجاباً على أهله. لكنني أتحدث عن المبالغة التي تحول الجمال إلى عبء، والترتيب إلى حالة استنفار دائمة، حيث يصبح تحريك وسادة من مكانها سلوكاً مذموماً، وتتناثر ألعاب الأطفال فتُخبأ بسرعة وكأنها عيب في الأسرة، لأن المنزل يجب أن يبقى على أهبة الاستعداد لالتقاط الصور في أي لحظة.

اختفت الراحة تحت وطأة الإرهاق النفسي المزمن؛ قلق من أي تفصيل قد يشوه الصورة المثالية النمطية التي تعودنا عرضها على الآخرين. والمفارقة أننا نقضي وقتاً أطول في تجهيز المكان للتصوير أكثر مما نقضيه في الاستمتاع به: نصل القهوة فنرتبها ونصورها قبل أن نشربها، ويُجهز الطعام فنبحث عن الزاوية والإضاءة قبل أن نجتمع حوله.

الطفل يدفع الثمن الأكبر

لكن من يتحمل التكلفة الأكبر في بعض الأحيان هم الأطفال! فالبيت بالنسبة للطفل هو عالمه الأول، يريد أن يركض ويلعب ويبني ويبعثر ألعابه ثم يعيد ترتيبها. وعندما يصبح الحفاظ على المظهر الخارجي للمنزل أهم من راحته، يسمع الطفل باستمرار: لا تلمس، لا تحرك، لا تلعب هنا، احترس من الأثاث، لا توسخ المكان. والأغرب أننا نوثق طفولة أبنائنا بآلاف الصور، بينما قد نحرمهم، دون قصد، من التفاصيل التي تجعل الطفولة نفسها تستحق التوثيق، فينشأ الطفل في منزل جميل في الصور، لكنه باهت في الذاكرة.

من الطبيعي أن توجد لعبة في زاوية، وكتاب على طاولة، وكوب لم يُرفع بعد. هذه ليست عيوباً في المنزل، بل علامات على الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *