حديقة بين الأنقاض: سوري يزرع الخضرة لحفظ ذكرى أسرته المفقودة

16 سبتمبر 2026
تحديث: 16 سبتمبر 2026
محمد زيدان، البالغ من العمر 62 عامًا، يقيم في حي جوبر بدمشق حيث يحاول أن يتمسك بالحياة من خلال زراعة حديقة صغيرة بين أنقاض منزله الذي دمر خلال الحرب.
يقول إن النباتات التي يزرعها وسط الدمار تمثل له وسيلة للحفاظ على ذكرى ابنه وزوجته، وتوفر له أثرًا نفسيًا إيجابيًا يتجاوز مجرد الحصول على محصول زراعي.
منزل زيدن انهارت فوقه خمسة طوابق خلال القصف، وفقد ابنه ثم زوجته التي لم تتحمل الحزن عليه.
ويأمل أن يتمكن الشباب من مواصلة حياتهم بأمان، وأن ينظر الجيل الجديد إلى المستقبل بأمل.
الحديقة كوسيلة للذكرى والأمل
يزرع زيدن في باحة منزله مجموعة متنوعة من الخضروات والنباتات الزينة مثل النعناع، الباذنجان، الفلفل، البصل، الكزبرة، التين، الزيتون، بالإضافة إلى نباتات الزينة.
ويصف طريقة رعايته ببساطة: يرش عليها قليلًا من الماء، يزرعها، وأحيانًا يأكل من ثمارها، فقط لمحاولة تغيير المشهد المحيط به.
ويؤكد أن القيمة الحقيقية للحديقة ليست في الحصاد بل في التأثير النفسي الذي تمنحه المساحة الخضراء وسط الدمار، حيث يساعده استعادة إحساس فقده خلال سنوات الحرب.
ويقول إن رؤية الطرق تعود للعمل، ورؤية الناس يعملون، ووجود الأمن، ووجود الخضرة، ورؤية كل شيء يعود إلى الوجود من جديد، كلها تجعله يشعر بتحسن نفسي.
ويصل النبات مباشرة بذكريات أفراد أسرته الذين فقدهم، موضحًا أن زوجته وابنه كانا يحبون هذه النباتات، لذا استمر في زراعتهما من أجلهما.
فقدان الابن والزوجة
لم يكن الدمار الذي يحيط بزيدن مجرد مشهد شاهده من بعيد، بل عاشه داخل منزله الذي تعرض لقصف شديد خلال الحرب.
ويختصر ما حدث بجملة: “انهارت خمسة طوابق فوقنا، كلها تهدمت”.
وبين الركام وجد بعض الأدوات والمقتنيات المنزلية التي قرر الاحتفاظ بها ليس لقيمتها المادية بل لأنها تحمل ذكريات من حياة لم تعد موجودة.
ويقول: “تركتها كتذكار حتى لا تضيع هذه الذكريات، وحتى أواصل الحياة مع ذكرى من فقدت”.
ويصف أصعب ما مر به ليس تدمير المنزل وحده بل فقدان ابنه سمير.
ويشير إلى أن أصعب حادثة عاشها كانت اعتقال ابنه في 31 ديسمبر 2012، موضحًا أن سمير اعتُقل عند حاجز نهر عيشة في دمشق قبل أن ينقطع أي خبر عنه.
بعد ذلك بدأت الأسرة رحلة طويلة من البحث والسؤال، فتوجهت إلى كل مكان يمكن أن يؤدي إلى معرفة مصيره، بما في ذلك حي العباسيين، سجن صيدنايا، وساحة الأمويين.
خلال حكم النظام المخلوع تلقوا معلومات عن مراكز احتجاز مختلفة لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى ابنهم أو معرفة مصيره، وكانوا يعتقدون أنه موجود في سجن صيدنايا وتمسكوا بالأمل في العثور عليه حيًا.
ومع سقوط نظام بشار الأسد والإفراج عن المعتقلين، عادت الأمل إلى الأسرة حيث اعتقدت زوجة زيدن وأفراد العائلة أن ابنهم ربما يكون بين المفرج عنهم، وأن سنوات الانتظار قد تنتهي بلقائه.
لكن البحث شمل مناطق ومواقع عدة دون أن يجدوا ابنهم، ثم جاء الخبر الذي أنهى سنوات الانتظار لكنه فتح جرحًا آخر: تلقوا خبر وفاة ابني.
وبعد بضعة أيام توفيت زوجته من شدة حزنها عليه.
الأمل في المستقبل
بعد فقدان ابنه ثم زوجته، وجد زيدن نفسه وحيدًا في المبنى الآيل للسقوط بحي جوبر، محاطًا بأنقاض الحرب وبأشياء قليلة بقيت من الماضي.
ومن بين تلك الأشياء إناء تركته زوجته واخترقته شظية، فاحتفظ به واستخدمه لزراعة النباتات بدلًا من التخلص منه، ليصبح الإناء الذي يحمل أثر الحرب وعاءً تنمو فيه الحياة.
ويواصل زراعة باحة منزله بالنباتات في محاولة لإضفاء بعض اللون والحياة على المكان الذي خلفت فيه سنوات القصف آثارًا عميقة.
ولا يخفي أن هذا العمل البسيط كان له أثر نفسي واضح عليه؛ فكل نبتة تحتاج إلى الماء والرعاية، وكل مساحة خضراء تظهر بين الأنقاض تمنحه إحساسًا بأن الحياة يمكن أن تعود مرة أخرى.
وبعد سنوات طويلة من الحرب والفقد يقول: “أشعر الآن وكأنني ولدت من جديد. وكأننا بدأنا نعيش من جديد”.
ويشير إلى الجيل الذي نشأ خلال سنوات الحرب، معربًا عن أمله في أن يتمكن الشباب من مواصلة حياتهم بأمان، وأن ينظر الجيل الجديد إلى المستقبل بأمل.



