التوسع الإسلامي والصراع بين الإمبراطوريات: نظرة على التاريخ من منظور الحاضر

في تحليل الفتوحات الإسلامية، ينبغي النظر إليها من زاوية الصراع بين الإمبراطوريات المتقابسة (العربية/الفارسية/الرومية)، ذلك أن الجيوش العربية لم تكن تحارب شعوباً بسيطة أو سكاناً محليين أو أتباع أديان، بل واجهت كيانات عسكرية تابعة لإمبراطوريات. فعمرو بن العاص عندما توجه بجيوشه نحو مصر، كان في الحقيقة يتجه نحو منطقة تابعة للإمبراطورية الرومية، فهو لا يحارب فلاحي مصر العاديين ولا أتباع المسيحية فيها، بل يواجه جيوش الإمبراطورية الرومية المتموضعة في مصر.
جدل الحضور الروماني في مصر
وبالتالي، لا يمكن النظر إلى تفاعل أهل مصر والقباط مع جيش عمرو بن العاص بوصفه “غزوة جديدة”، بل ينظر إليه بوصفه مرحلة جديدة من الممكن أن تكون أكثر أماناً من الهيمنة القديمة التابعة للإمبراطورية الرومية.
الإمبراطورية ومعضلة الحوادث الكبرى
في كتاب “الإمبراطوريات: منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة إلى الولايات المتحدة الأميركية”، يطرح الباحث الأميركي في العلوم السياسية (فريد منكور) في حديثه عن الفرق الجيوبوليتيكية بين الإمبراطورية والدولة: “ليس هناك إمبراطورية تستطيع اتخاذ موقف حياد إزاء الأحداث التي تقع في مجال نفوذها. وتأسيساً على ذلك، فإن الإمبراطورية مجبرة بنيوياً على عدم الاعتراف بحياد هذه الأحداث والتدخل في شؤونها بحكم ما اثم تدخلاً. هذا الموقف الحيادي موجود فقط في إطار نظام عالمي يتصف بسيادة الدولة ذات السيادة”.
العالم القديم ومنطق الفتوحات
العالم القديم كان محكوماً بمنطق الإمبراطورية، وهذا التقسيم حاسم جداً لفهم الفتوحات الإسلامية، والتوسع بالنسبة للإمبراطوريات الكبرى ليس استثناء بل شرط بناء لعالم يُعاد تشكيله مفتوحاً للصراع على النفوذ والهيمنة، وبالدرجة الأولى صراع على البقاء والاستمرارية. والتوسع الجغرافي في منطقة الإمبراطورية لا يمكن النظر إليه بمنطق أخلاقي بسيط، والتوسع في العصور القديمة – أحياناً – كان ضرورة بيولوجية لحماية الأطراف، أو منع صعود المنافسين والقوى التي تتعامل مع بدأ الحضارات تتعرض للانهيار والتفتت.
وهكذا عندما يطرح سؤال ساذج: لماذا لم يلتزم المسلمون بحدودهم؟ يحق لنا في الحقيقة أن نسأل سؤالاً حديثاً صالحاً في المجتمعات الحديثة نسقط من خلاله مأزق الحاضر في عالمنا لنعرف أصلاً فكرة الحدود القومية الثابتة. الجيوش الإسلامية عندما تحركت نحو الشام كانت تواجه: إما نظاماً حاكماً ضريباً وإدارة إمبراطورية قائمة، أو أن السكان المحليين نظروا للجيوش الإسلامية كغزاة غرباء بوصفهم منقذين لهم من الهيمنة السابقة.
الفتوحات الإسلامية كانت مشروعاً حضارياً شاملاً نشأ داخل عالم الإمبراطوريات الكبرى، وإنها تختلف عن بنية الإمبراطوريات (الرومية/الفارسية) من ناحية مصدر الشرعية والرؤية الكونية، والفتح الإسلامي المبكر حمل تصورات مختلفة لسبل الاهتمام والانتماء إليها؛ دينياً وعروبياً وغير عربي على حد سواء يمكن -نظرياً- أن يصبح جزءاً من الأمة نفسها. وكانت الأهداف الرئيسية لنشر العقيدة الدينية الجديدة، وما تحقق بعد ذلك من مكاسب سياسية واقتصادية مجرد نتائج تحققت بالتبعية.
وكانت الإمبراطورية الإسلامية فضاءً حضارياً متعدد الأعراق والأديان، منفتحاً للعلم والمعرفة والهندسة المعمارية، وصنعت مزجاً ثقافياً فريداً تراكم حضارياً وشبكات معرفية واسعة، شاركت فيها شعوب ذات أصول ثقافية وعروقية مختلفة. الفتوحات الإسلامية لا يمكن فهمها بأدوات وعقول المجتمعات المعاصرة أو باعتبارها رسالة روحية خالصة، بل باعتبارها ظاهرة كونية حضارية، تشكلت داخل نظام عالمي محكوم بمنطق الإمبراطورية الذي كان التوسع والهيمنة جزءاً من طبيعته وتكوينه.



