في زمن الضجيج الرقمي.. الخليج يستذكر شرف الاختلاف وأخلاق الكلمة

في المجالس الخليجية القديمة، كان الرجل يختلف معك ثم يمد لك فنجان القهوة بيده. قد يحتد النقاش وقد ترتفع الأصوات، لكن أحداً لم يكن يغادر وهو يحمل رغبة في تشويه الآخر أو تحويل الاختلاف إلى كراهية.
الضجيج الرقمي يطغى على الرأي
اليوم قد يقضي شخص ليلته كاملة خلف شاشة هاتف يكتب عنك ما لا يجرؤ أن يقوله أمامك، لأنك لم ترَ الأمور بعينه. كيف وصلنا أصلاً إلى أن يصبح الضجيج أعلى صوتاً من الرأي؟
الخليج لم يكن يوماً خالياً من الاختلافات السياسية والفكرية، لكنه عرف دائماً شيئاً اسمه «شرف الاختلاف». كان الناس يختلفون، لكنهم لا يحوّلون الرأي إلى إساءة أو شماتة أو قسوة.
صمت العقلاء وصخب الغوغاء
وحين يصمت العقلاء ترتفع أصوات الغوغاء. والمؤلم أن كثيرين من الناس لم يعودوا يميزون بين صاحب الرأي وصاحب الضجيج، والأسوأ من ذلك أن بعض من يمارسون هذا العبث يظنون أنهم يدافعون عن الحق أو الوطن، بينما هم يسيئون إليهما دون أن يشعروا.
يشبهون في ذلك قصة الأعرابي الذي أنقذ دباً، فحاول الدب إبعاد ذبابة عن وجهه بحجر، فهشم رأس صاحبه. النية وحدها لا تكفي، والحماس وحده لا يصنع وعياً. الوطنية لا تُقاس بعدد الشتائم التي نطلقها على الآخرين، بل بقدرتنا على حماية صورة أوطاننا من الفوضى والابتذال والكراهية.
الكلمة شرف قبل أن تكون حرفاً
بعض الكلمات لا تنتهي عند شاشة الهاتف، بل تبدأ منها. أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس الاختلاف بل الذين يعيشون على إشعاله. لا أحد يعترض على حرية الرأي أو النقد، لكنّ هناك فرقاً كبيراً بين الاختلاف وتحويل المنصات إلى مساحات للشماتة والإساءة وتصفية الحسابات.
ولا يمكن لأي مجتمع أن يبقى متماسكاً إذا تحولت الكلمة إلى أداة للكراهية والفتنة داخل البيت الواحد. وربما لهذا جاء «ميثاق الشرف الإعلامي الخليجي» مبكراً، إدراكاً لخطورة أن تفقد الكلمة معناها قبل أن تفقد أخلاقها.
الخطر من الداخل
فالخطر اليوم لم يعد يأتي من الخارج فقط بل من كلمة تخرج من شخص قريب، أو حساب يتحدث بلهجتك، ويزرع النفور بين الناس. الخليج الذي عاش على المجالس والكلمة الطيبة لا يشبه هذا الصخب. فالكلمة عند العرب لم تكن حروفاً فقط بل كانت شرفاً أيضاً.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

