دبي تحول تحديات سلاسل الإمداد إلى فرصة لتعزيز الصناعة والمرونة

المرونة في سلاسل الإمداد
خلال الفترات الأخيرة واجهت الصناعة العالمية ضغوطاً متزايدة نتيجة اضطراب حركة الشحن، ارتفاع كلفة النقل والتأمين، تقلب أسعار المواد الخام وإطالة مواعيد التسليم. استجابة لذلك، سارت الشركات الصناعية في دبي نحو تنويع مصادر التوريد، وإنشاء بدائل للإمدادات، وتحسين إدارة المخزون، والاستثمار في البيانات والشراكات الاستراتيجية. هذه الخطوات ساعدتها على الحفاظ على استمرارية الإنتاج والاحتفاظ بقاعدة عملائها رغم التقلبات الخارجية.
التوسع الصناعي والبنية التحتية
وفقاً للأرقام الرسمية، وصلت نسبة إشغال مدينة دبي الصناعية إلى 99 % في عام 2025، وتضم المدينة أكثر من 350 مصنعاً عاملاً. أما المنطقة الحرة لجبل علي «جافزا» فتوظف نحو 800 شركة تصنيع تنتمي إلى 73 دولة، وتستفيد من الربط المباشر مع ميناء جبل علي وشبكات النقل والخدمات اللوجستية. وفي «مجمع الصناعات الوطنية» يعمل أكثر من 400 شركة تدعم ما يقرب من 24.7 ألف وظيفة. يرتبط ميناء جبل علي بـ80 خدمة شحن أسبوعية مع ما يزيد عن 150 ميناء حول العالم. وتضع أجندة دبي الاقتصادية «D33» الصناعة في قلب عملية التنويع الاقتصادي، مستهدفة مضاعفة القيمة المضافة للقطاع الصناعي بحلول عام 2033.
رؤى القادة والخبراء
وقال علي عبدالله الشيراوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «لاونج»، إن التحديات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية أثبتت أن مرونة التوريد أصبحت عاملاً حاسماً في استمرارية الإنتاج وتنافسية الشركات الصناعية، ولم تعد مجرد أداة للتعامل مع الأزمات. وأضاف أن اضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف النقل وتقلب أسعار المواد الخام وطول فترات التوريد فرضت على الشركات إعادة تقييم منظومة الإمداد بالكامل، وتنويع الموردين ومسارات الشحن، وتقليل الاعتماد على أي مصدر واحد، بل تبني شبكة بدائل يمكن تفعيلها عند الحاجة.
وأوضح الشيراوي أن الاستجابة لهذه التحديات اعتمدت على التخطيط الاستباقي أكثر من ردود الفعل، من خلال تحديد البدائل مسبقاً، وإدارة المخزون وفقاً لأهمية المواد وتأثير نقصها في العمليات، وتعزيز التعاون مع الموردين المحليين والإقليميين. وأشار إلى أن الرقمنة وتحليل البيانات أسهما في تحسين رؤية الشركات لحركة الشحنات وتوقع التأخيرات واتخاذ قرارات أسرع، مما ساهم في حماية استمرارية الإنتاج وتقليل أثر الاضطرابات على العمليات والتكاليف.
ولفت إلى أن البنية التحتية المتكاملة في دبي شكلت عاملاً رئيسياً في تعزيز هذه المرونة، إذ يوفر تكامل الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية وشبكات النقل خيارات متعددة لحركة المواد والمنتجات، ويمنح الشركات قدرة أكبر على إعادة توجيه الشحنات والوصول إلى الأسواق عند تغير الظروف. كما أسهمت المبادرات الحكومية وتطوير الإجراءات الجمركية والممرات الخضراء في تسريع حركة البضائع وتقليل زمن التخليص، مما دعم انسيابية التجارة.
من جهته، قال حسن الهزيم، رئيس مجلس إدارة مجموعة «إنتركويل العالمية»، إن الشركات الصناعية في دبي أظهرت خلال الفترة الأخيرة قدرة أكبر على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن الشركات اتجهت إلى تطوير خطط بديلة للتوريد، وتوسيع الاعتماد على الموردين المحليين والإقليميين، وتحسين إدارة المخزون والاستفادة من البيانات والرقمنة لمتابعة الشحنات والتنبؤ بالطلب والمخاطر.
وأضاف الهزيم أن الإجراءات التي اتخذتها الشركات الصناعية أسهمت في الحد من تأثير التأخيرات الخارجية والحفاظ على استمرارية الإنتاج، مؤكداً أن الأزمات الأخيرة جعلت بناء سلاسل إمداد مرنة جزءاً أساسياً من استراتيجية الشركات وليس مجرد استجابة مؤقتة للظروف الطارئة. وأكد أن تكامل البنية التحتية والخدمات اللوجستية والإجراءات التجارية يعزز مكانة دبي مركزاً إقليمياً لإعادة التصدير وسلاسل الإمداد، ويمنح القطاع الصناعي قدرة أكبر على مواجهة الأزمات المستقبلية.
أما زايد البداد، الرئيس التنفيذي لمجموعة البداد القابضة، فقال إن اضطرابات التجارة العالمية خلال الفترة الأخيرة كشفت أن التحدي أمام الشركات الصناعية لم يقتصر على ارتفاع تكاليف الشحن، بل شمل أيضاً صعوبة التنبؤ بمواعيد وصول المواد الخام والمكونات، وما قد يترتب على تأخرها من ضغوط على جداول الإنتاج والتسليم. وأوضح أن هذه المتغيرات دفعت الشركات في دبي والإمارات بشكل عام إلى إعادة تقييم سلاسل الإمداد، من خلال تنويع الموردين ومصادر التوريد، وتأمين بدائل للمواد الأساسية، ومراجعة مستويات المخزون الاحتياطي، وتعزيز متابعة الشحنات.
وأكد البداد أن البنية التحتية اللوجستية في الإمارات تمنح الشركات ميزة مهمة، بفضل تكامل الموانئ والمطارات وشبكات الطرق والمناطق الصناعية والحرة ومرافق التخزين والخدمات اللوجستية، بما يوفر خيارات متعددة لحركة المواد والمنتجات والوصول إلى الأسواق. وأشار إلى أن المبادرات الحكومية ورقمنة الإجراءات وتسهيلات التخليص، إلى جانب الممرات الخضراء، حيث تكون مطبقة وفق الأطر المعتمدة تدعم سرعة وانسيابية حركة البضائع وتقليل زمن الإجراءات.
وقال الدكتور مايك تشيثام، رئيس الاستدامة والشؤون المؤسسية في مجموعة هوتباك، إن إدارة المخزونات أصبحت اليوم عنصراً محورياً في قدرة الشركات الصناعية على الحفاظ على استمرارية أعمالها والتعامل مع المتغيرات المفاجئة التي تشهدها الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية. ووضح أن التركيز الذي كان سائداً لسنوات على تقليص المخزون إلى أدنى المستويات الممكنة لم يعد كافياً وقد يتحول إلى مصدر كبير للمخاطرة عندما تتعرض سلاسل الإمداد لاضطرابات مفاجئة، سواء نتيجة توقف أحد الموردين، أو تأخر الشحنات، أو ارتفاع تكاليف النقل، أو تعطل خطوط الملاحة والموانئ.
وأضاف أن هوتباك حرصت على تبني هذا النهج من خلال الحفاظ على مخزون استراتيجي قوي من المواد الخام، بما يتناسب مع طبيعة عملياتها وحجم الطلب على منتجاتها، إلى جانب امتلاكها قدرات تصنيع متطورة تتيح لها إنتاج مجموعة واسعة من حلول تغليف المواد الغذائية. وأكد أن الجمع بين المخزون الاستراتيجي والقدرات التصنيعية المرنة ساعد الشركة على التعامل مع الاضطرابات دون الحاجة إلى اتخاذ إجراءات تؤثر في استمرارية الإنتاج أو قدرتها على تلبية احتياجات العملاء.
ولفت الدكتور مايك تشيثام إلى أن الاضطرابات الأخيرة لم تؤثر فقط على الشركات الصناعية، بل أدت أيضاً إلى تغيير سلوك العديد من العملاء في المنطقة، موضحاً أن عدداً من الشركات التي كانت تعتمد في السابق بدرجة كبيرة على الموردين الخارجيين اضطرت إلى البحث عن بدائل محلية لضمان استمرارية عملياتها وتلبية احتياجاتها من المنتجات والمواد الأساسية. وأضاف أن العديد من العملاء في المنطقة وجدوا أن الاعتماد على المصنّعين المحليين يمكن أن يوفر لهم مستويات أعلى من المرونة وسرعة الاستجابة، خصوصاً في فترات اضطراب حركة التجارة الدولية.
وبالنسبة لهوبتراك، أسهم هذا التحول في زيادة الطلب على منتجاتنا وتحقيق نمو ملحوظ خلال هذه الفترة، لأن عملاءنا كانوا يبحثون عن شريك يمكنه توفير المنتجات المطلوبة بسرعة وبشكل موثوق، وليس مجرد مورد يعتمد على شبكة توريد بعيدة. وأكد أن هوتباك استفادت بشكل كبير من الدروس المستفادة خلال جائحة «كوفيد 19»، والتي كشفت أهمية التخطيط المسبق وضرورة امتلاك الشركات خططاً واضحة لاستمرارية الأعمال، وعدم الاعتماد على افتراض استمرار الظروف التشغيلية الطبيعية.
وأشار إلى أن هوتباك عملت بشكل وثيق مع شركائها في مجالي الخدمات اللوجستية والشحن، خصوصاً خلال التحديات الإقليمية الأخيرة، وتمكنت خلال أسابيع قليلة من تحديد مسارات شحن بديلة والاستفادة منها، الأمر الذي أسهم في الحفاظ على انسيابية سلاسل التوريد وعدم التأثير على عمليات الإنتاج، مضيفاً أن سرعة الاستجابة كانت عاملاً حاسماً.
وقال: «بفضل محفظتنا التي تضم أكثر من 4,000 منتج، إلى جانب أسطولنا الخاص للتوزيع، واصلنا تلبية احتياجات عملائنا الحاليين واستقطاب عملاء جدد. وفي أوقات عدم اليقين، يبحث العملاء عن أكثر من مجرد منتج؛ إنهم يبحثون عن شريك يمكنه ضمان الاستمرارية والالتزام بالمواعيد والقدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية».
وأضاف: «أعتقد أن أحد أهم الدروس التي تعلمناها هو أن أرخص سلسلة إمداد ليست بالضرورة الأكثر كفاءة. إذا كان خفض التكلفة يعتمد على الاحتفاظ بأقل مستوى ممكن من المخزون، أو الاعتماد على مورد واحد، أو مسار شحن واحد، فإن أي اضطراب قد يؤدي إلى تكلفة أكبر بكثير من الوفر الذي تحقق في الظروف الطبيعية».
وأكد أن دولة الإمارات توفر بيئة مناسبة لهذا التحول، بفضل بنيتها التحتية المتقدمة وتنوع موانئها ومطاراتها وشبكات النقل والمناطق الصناعية، إضافة إلى سرعة استجابة الجهات الحكومية وتعاونها مع القطاع الخاص خلال فترات التحديات.



