الخيانة بعد الثقة: حين يتحول القريب إلى عدو

كم هو مؤلم أن تكتشف أن الشخص الذي كنت تحرص على ألّا يُكسر، كان هو أول من حاول كسرك. والأشد ألماً أن تكتشف أن من وقفت معه في شدته، قد يكون أول من يقف ضدك إذا تعارضت المصالح. عندها تدرك أن المشكلة لم تكن في حسن نيتك، بل في الثقة الزائدة.
المواقف لا تغير النااس بل تكشفهم
فالناس لا يعرفون بكثرة كلماتهم، ولا بحجم ابتساماتهم، فهناك من يتقن ارتداء ثوب الأخ، ويجيد صناعة القر ب، ويكثر من عبارات الامتنان، حتى إذا جأت لحظة الامتحان، سقط القناع وبقيت الحقيقة، فالمواقف لا تغير النااس، بل تكشفهم. ولذلك، فالثقة ليست خطأ، بل ضرورة تستقيم بها الحياة، أما الثقة الزائدة فهي خطأ في التقدير. فهي التي تدفعنا إلى كشف أوراقنا مبكراً، وإلى منح المكانة لمن لم يثبت أنه أهل لها، وإلى الاعتقاد أن المعروف يضمن الوفاء، بينما الواقع يخبرنا أن بعض النفوس لا تحفظ الجميل، وإنما تستثمره حتى تنتهي حاجتها.
لماذا لا أصبح مثلهم؟ سؤال يولاد من الألم لا من القناعة
وأعترف أن كل من ذاق مرارة الخذلان مر في ذهنه سؤال لا يحب أن يعترف به: لماذا لا أصبح مثلهم؟ لماذا لا أتعلم المكر، وأتقن التمثيل، وأسبق بالغدر قبل أن أُغدر؟ لكنه سؤال يولاد من الألم، لا من القناعة. فليس كل ما يخط ر في النفص يصلح أن يك ون منهجاً في الحياة. الحقيقة أن الغادر قد يربح جولة، أو منصباً، أو مصلحة عابرة، لكنه يخسر شيئاً لا يشرى ولا يس تعاد؛ يخسر احترامه لنف سه، ويعيش أسيراً لوج ه لا يجرؤ على رؤيت ه في المرآة. أما من بقي وفي اً لمبادئه، فقد يخسر أشخاصاً، لكنه لا يخسر ذاته، ومن خسر ذاته فلن ينف ه كل مكاسب الدنيا.
الطيبة تحتاج إلى حكمة لا إلى اعتزال
لذلك، لا تجعل الخذلان يسرق منك أخلاقك، ولا تسمح للغدر أن يقنعك بأن النبل سذاجة. غيّر طريقة منحك للثقة، ولا تغيّر قيمك. اختبر الناس بالمواقف قبل أن تمنحهم المساحات، واجعل للثقة درجات، كما أن للأبواب مفاتيح، فلا يُعقل أن يُفتح كل باب بالمفتاح نفسه. وقد يكون أجمل ما تعلمته من تجارب الحياة أن الطيبة لا تحتاج إلى اعتزال، لكنها تحتاج إلى حكمة، وأن حسن الظن لا يعني تعطيل الفطنة، وأن الإنسان يستطيع أن يبقى كريم النفس، من دون أن يكون سهل الخداع. ولهذا أردد دائماً: «الثقة الزايدة.. ما منها فايدة».
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الورادة فيه ا.



