بطاقة بـ50 مليون درهم تحصد اهتمام زوار معرض FNDM 2026 في دبي

ما الذي يجعل بطاقة صغيرة من الورق تساوي 50 مليون درهم، بينما لا تتجاوز قيمة أخرى 140 ألف درهم، ويمكن العثور على ثالثة بأقل من 10 دراهم؟ من الخارج، قد تبدو جميعها متشابهة، لكن التفاصيل الدقيقة، التي قد لا يلاحظها الشخص العادي، هي التي تصنع الفارق بملايين الدراهم.
في معرض FNDM 2026 في دبي، تجلّى هذا العالم بكل تناقضاته، حيث اختلط هواة البحث عن بطاقاتهم المفضلة ببائعين يعرضون مجموعاتهم، وتدرّجت الأسعار من بضعة دراهم إلى عشرات الملايين. وفي خضم ذلك، برزت بطاقة من نوع خاص، يقول مالكها الإماراتي المعروف بـ”دبزي” إن قيمتها وصلت اليوم إلى 50 مليون درهم.
بطاقة بـ50 مليون درهم: قصة “بلاك لوتس”
إنها بطاقة “بلاك لوتس” الأصلية من إصدار “ألفا” للعبة “ماجيك: ذا غاذرينغ”، وهي واحدة من أشهر البطاقات في تاريخ اللعبة. صدرت نسخة “ألفا” الأولى عام 1993، وتشير التقديرات إلى إنتاج نحو 1100 نسخة فقط من هذه البطاقة ضمن ذلك الإصدار. وتتميز نسختا “ألفا” و”بيتا” بالحواف السوداء، على عكس الإصدار اللاحق “أنليميتد” ذي الحواف البيضاء. وتحمل البطاقة رسمة الفنان الأصلي كريستوفر راش، وتوجد نسخ موقعة منه تمنحها أهمية إضافية لدى هواة الجمع.
بالنسبة لدبزي، لم تبدأ القصة بالملايين، بل كهواية. يقول إنه يجمع المقتنيات منذ أوائل التسعينيات، من القصص المصورة والألعاب وكل ما يشعر بأنه ممتع وقابل للجمع. ظلت الهواية جزءاً من حياته حتى جاءت جائحة كورونا. مع البقاء في المنزل وانتقال جزء كبير من تجارة المقتنيات إلى الإنترنت، بدأ ينظر إلى هوايته بعين مختلفة، حيث كبر السوق وأصبح ما يجمعه يمكن أن يحقق له دخلاً. أما بطاقة “بلاك لوتس”، فيروي أن ابن عمه عرّفه إلى عالم “ماجيك: ذا غاذرينغ”، فعثر عليها على الإنترنت عام 2015 وقرر شراءها. كان سعرها آنذاك 75 ألف دولار، أي نحو 300 ألف درهم، واليوم يقول إن قيمتها تصل إلى 50 مليون درهم. وعندما سُئل إن كان توقع أن تصل إلى هذا الرقم يوماً ما، أجاب دون تردد: “لا، مستحيل، بصراحة، لم يتوقع أحد ذلك”.
من هواية إلى استثمار
تختصر القفزة في قيمة البطاقة التحول الكبير الذي يراه دبزي في هذا السوق. يقول إن بطاقات التداول كانت سوقاً متخصصاً، ثم أصبحت أكثر انتشاراً، ودخل إليها أشخاص لا ينظرون إلى البطاقة فقط كجزء من لعبة يحبونها، بل كمقتنى يمكن الاحتفاظ به. ويشرح الفكرة بمقارنة بسيطة: عندما تشتري سهماً أو عملة مشفرة، ما تملكه يظهر أمامك كأرقام، أما هنا فتستطيع الإمساك بما اشتريته بيدك، مثل سيارة كلاسيكية أو لوحة فنية أو قطعة مجوهرات قديمة. ولهذا يرى دبزي أن رحلة بطاقته لم تنته عند 50 مليون درهم، ويتخيل لها مستقبلاً داخل متحف.
لكن بطاقة واحدة بقيمة 50 مليون درهم لا تشرح وحدها آلية عمل هذا السوق. ففي مكان قريب، كانت هناك بطاقة أخرى تحمل رقماً كبيراً وإن كان بعيداً عن الـ50 مليوناً: 140 ألف درهم. هنا يتغير السؤال من “كم تساوي هذه البطاقة؟” إلى “من يقرر سعر هذه البطاقات أصلاً؟”. يشرح جامع وبائع البطاقات عبدالله الخاجة أن السعر يتشكل من مجموعة تفاصيل صغيرة تتراكم، فالبطاقات تأتي داخل حزم، والحزم داخل صناديق، والوصول إلى بطاقة نادرة قد يكون صعباً جداً. في حالة البطاقة التي عرضها، بلغ سعر المنتج الذي يمكن أن تخرج منه نحو 40 أو 50 ألف درهم، وتقدّر فرصة الحصول عليها بنحو واحدة من كل عشر. ثم تأتي تفاصيل أخرى: البطاقة تحمل توقيع مؤدي صوت الشخصية الموجودة عليها، ويقول الخاجة إن هناك عشر بطاقات فقط مثلها حصلت على تقييم 10 من شركات التقييم المتخصصة.
يلعب التقييم دوراً محورياً في هذا السوق. يشرح الخاجة أن عملية التقييم تفحص حالة البطاقة ذاتها، ودقة قصها، وخلوها من العيوب المصنعية، وكل تفصيل يؤثر في النتيجة النهائية. البطاقة التي يحملها حصلت على تقييم 10، والتوقيع كذلك حصل على تقييم 10، مما يجعل بطاقتين تحملان الشخصية نفسها تختلفان في القيمة تماماً.
سوق يبدأ من 10 دراهم
ورغم كل هذه الأرقام، لا تحتاج إلى 140 ألف درهم لدخول هذا العالم. في منصة “تروفي”، التي تعمل في البيع عبر البث المباشر، يقول مدير التسويق وليد سنجر إن أسعار البطاقات تبدأ من نحو 10 دراهم. يظهر البائع مباشرة على المنصة ويعرض منتجاته، ويمكن للمشترين مشاهدة البث وطرح الأسئلة والشراء. ويشير سنجر إلى أن بطاقات التداول أصبحت من أقوى الفئات على المنصة بعد أكثر من عام ونصف من العمل عبر البث المباشر، والفارق بين الأسعار ضخم: بطاقات تبدأ من 10 دراهم، فيما بيعت أخرى بأكثر من 50 و60 و70 ألف درهم للبطاقة الواحدة، إما مباشرة أو عبر مزاد.
قطعة ورق أم شيء أكبر؟
نعود هنا إلى السؤال الأول: لماذا تساوي بطاقة أقل من 10 دراهم، وأخرى 140 ألفاً، وأخرى 50 مليون درهم؟ لا توجد إجابة واحدة. عدد النسخ، الندرة، الإصدار، حالة البطاقة، التوقيع، التقييم، وحتى صعوبة الحصول عليها جميعها عوامل تغير السعر. وبعد كل ذلك يأتي عامل لا يقل أهمية: كم يريدها شخص آخر؟ ربما هذا ما يجعل عالم بطاقات التداول غريباً ومثيراً في الوقت نفسه؛ فالمشتري لا يدفع مقابل الرسمة المطبوعة فقط، بل مقابل تاريخ وندرة وحالة وقصة، وأحياناً ذكرى مرتبطة بلعبة أو شخصية عرفها منذ سنوات. لهذا يمكن لشخص أن يمر أمام “بلاك لوتس” ولا يرى سوى بطاقة صغيرة، أما دبزي فينظر إلى البطاقة نفسها ويرى شيئاً يتوقع أن ينتهي به المطاف يوماً ما داخل متحف.




