تقلبات أسعار الكهرباء في أوروبا تشتد مع تفاقم أزمة تخزين الطاقة المتجددة

تشهد أسعار الكهرباء اليومية في القارة الأوروبية تموجات حادة ومتزايدة، حيث يتبع التدفق الهائل للطاقة الشمسية خلال ساعات النهار نقص سريع في الإمدادات بعد غروب الشمس، مما يبرز تحدياً كبيراً في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة، وفقاً لما ذكرته وكالة بلومبرج.
ظاهرة “منحنى البطة” وتقلبات الأسعار الجامحة
في فصل الصيف، وتحديداً في منتصف النهار من كل يوم تقريباً، تنهار الأسعار مع تدفق الإنتاج الضخم من الطاقة الشمسية الذي يتجاوز قدرة الشبكات على الاستيعاب. ومع حلول المساء، تفرغ الشبكة بالكامل مع غروب الشمس وارتفاع الطلب، خاصة عندما تؤدي موجات الحر الشديدة إلى زيادة تشغيل أجهزة التكييف.
تُعرف هذه الظاهرة تقنياً باسم “منحنى البطة” نظراً لشكلها البياني، وتتسبب في تقلبات عنيفة خلال ساعات قليلة، وهي أكبر بكثير من التقلبات في أسواق السلع الأساسية الأخرى.
على سبيل المثال، شهدت ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، في يوم من أواخر شهر مايو الماضي قفزة هائلة في الأسعار؛ إذ ارتفعت من مستويات سلبية تحت الصفر في منتصف النهار إلى حوالي 400 يورو لكل ميغاواط/ساعة بحلول الساعة الثامنة مساءً.
تفاقم المشكلة مع موجات الحر ونقص التخزين
أصبحت هذه التناقضات الحادة أكثر وضوحاً هذا العام، بالتزامن مع موجات الحر الشديدة التي تضرب أوروبا. المشكلة الجوهرية تكمن في عدم توفر سعات تخزين كافية من البطاريات لاستيعاب فائض الطاقة المتولدة من المصادر المتجددة المتزايدة، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى إهدار هذه الإمدادات. وعندما تغيب الشمس أو تهدأ الرياح في المساء، تضطر شبكات الكهرباء إلى اللجوء لمحطات الوقود الأحفوري الأكثر تكلفة لسد الفجوة وتلبية الطلب المتزايد.
هذا الوضع أثار قلق المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، الذي سارع في أكتوبر الماضي إلى مطالبة هيئة مراقبة الطاقة الأوروبية بالتحقيق في طفرات الأسعار التي تشهدها منطقة جنوب شرق أوروبا، في محاولة لمنع حدوث قفزات مماثلة وضمان بقاء أسعار الطاقة في متناول المستهلكين. كشف التقرير أن تقلبات أسعار الجملة اليومية تضاعفت بنحو 5 مرات مقارنة بمستويات عام 2020، داعياً إلى اتخاذ تدابير عاجلة تشمل زيادة أنظمة تخزين البطاريات لتعزيز مرونة الشبكة وقدرتها على الصمود.
تأثير الطقس وارتفاع الأسعار على المستهلكين
ورغم أن تراجع إنتاج الطاقة الشمسية في المساء أمر متوقع، إلا أن التوسع السريع في إنتاج الطاقة المتجددة بشكل عام يزيد من تعقيد إدارة الشبكات الكهربائية. وقد سلط الانقطاع الواسع للكهرباء الذي شهدته إسبانيا والبرتغال خلال عام 2025 الضوء على الأهمية البالغة لتحقيق التوازن الدقيق بين العرض والطلب، مما دفع مشغلي الشبكات إلى تبني نهج أكثر حذراً وتحفظاً في التعامل مع تدفقات الطاقة المتجددة.
في هذا السياق، ترى سيلي إريكسن هولمن، رئيسة قسم الأساسيات والهيدرولوجيا في شركة “فولت باور أناليتكس”، أن التقلبات التي نراها اليوم متطرفة وأصبحت في الواقع هي الوضع الطبيعي الجديد، مشيرة إلى أن تزامن موجة حر مع ركود في حركة الرياح يمثل المزيج الأصعب على الإطلاق، حيث تشتد الحاجة إلى الطاقة في اللحظة نفسها التي تضعف فيها أكبر قوتين للتوليد في المنظومة.
ورغم زيادة عدد الساعات التي تتوفر فيها الكهرباء بأسعار رخيصة أو حتى مجانية، فإن متوسط الأسعار اليومية، الذي ينعكس على فواتير المستهلكين، ارتفع بشكل ملحوظ خلال الصيف الجاري مقارنة بالسنوات السابقة في عدد من الأسواق الرئيسية. يعود ذلك لارتفاع أسعار الغاز هذا العام والضغط المستمر الناجم عن طفرات الأسعار المسائية، مما يؤكد الصعوبات البالغة في خفض فواتير الطاقة بالتزامن مع مواصلة التحول الأخضر.
التوسع في الطاقة الشمسية وغياب التخزين
تعد الطاقة الشمسية من أسرع مصادر الطاقة نمواً في أوروبا بسبب انخفاض تكاليف إنشائها مقارنة بغيرها. وفقاً لبيانات “بلومبرج إن إي إف”، فإن تراجع أسعار الألواح الشمسية والدعم الحكومي السخي أطلقا موجة استثمارات هائلة ضاعفت القدرة الإنتاجية تقريباً منذ عام 2022. ومع ذلك، لا تزال السعة الإجمالية لبطاريات التخزين متواضعة جداً ولا تمثل سوى حوالي 3% فقط من القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة، مما يؤدي إلى هدر كميات ضخمة من الطاقة بانتظام.
بدأ هذا التوسع السريع يعيد تشكيل الهيكل الاقتصادي للقطاع بأكمله. إذ إن غياب حلول التخزين يجبر المشغلين على فصل مزارع الطاقة الشمسية عن الشبكة بشكل متكرر، كما تسببت فترات الأسعار السلبية في تراجع حاد في قيمتها الاستثمارية، مما دفع بعض المستثمرين للتفكير في التخارج.
ورغم محاولة المطورين للتكيف عبر ربط المشروعات الجديدة بأنظمة بطاريات، وتسريع الحكومات لخطط ترقية الشبكات وتشجيع الاستثمار في التخزين، فإن المؤشرات تدل على تباطؤ متوقع في وتيرة إضافة سعات جديدة.
أوضح شون فولكس، رئيس تداول الأصول خلال اليوم في شركة “دانسكي كوموديتيز” التابعة لمجموعة “إكينور”، أن الفجوة بين أسعار منتصف النهار والمساء في الصيف بدأت تبرز بوضوح قبل بضع سنوات وتتسع باطراد. توقع أن تمر سنوات أخرى قبل أن يتمكن النظام من تحقيق توازن حقيقي ومستدام بين العرض والطلب عبر تقنيات التخزين. في حين يمثل اتساع هذا الفارق فرصة ذهبية للمتداولين الذين يشترون الطاقة بأسعار زهيدة نهاراً ويعيدون بيعها بأسعار مرتفعة مساءً، فإن مستويات الأسعار المنخفضة في النهار لم تنجح بعد في خفض أسعار فواتير المنازل.
تظهر التقديرات المبنية على بيانات منصتي “إيبيكس سبوت” و”أومي” أن متوسط أسعار العقود الآجلة لليوم التالي، للفترة من أبريل إلى يونيو، قفز بنحو 27% في المملكة المتحدة، و22% في ألمانيا، و9% في إسبانيا، مقارنة بالفترة نفسها خلال الفترة من 2023 إلى 2025. وكانت فرنسا الاستثناء الوحيد في هذا المشهد، حيث حافظت الأسعار فيها على استقرارها بفضل أسطولها من المفاعلات النووية الذي ساعد في كبح جماح التكاليف المسائية وتأمين الشبكة.
نتيجة لارتباط الطاقة المتجددة المباشر بالتقلبات الجوية، تبرز الحاجة المتزايدة لمحطات الغاز والفحم للعمل كاحتياطي، ويبدو أنها ستظل جزءاً أساسياً من مزيج التوليد لفترة طويلة قادمة. ففي بريطانيا مثلاً، وضمن خطتها للوصول بنسبة الطاقة النظيفة في شبكتها إلى 95% بحلول عام 2030، يتوقع الحفاظ على القدرة التوليدية لمحطات الغاز التقليدية، بالتزامن مع مضاعفة سعة طاقة الرياح والشمس بنحو 3 مرات. هذا التحول غير القواعد الاقتصادية للمحطات التقليدية؛ إذ تشير سابرينا كيرنبيشلر، المحللة في “إنرجي أسبكتس”، إلى أن محطات الوقود الأحفوري أصبحت تركز اليوم على رفع جدواها المالية بدلاً من غزارة الإنتاج. يؤكد فولكس هذا التوجه موضحاً أن تقليص ساعات تشغيل بعض محطات الغاز، خاصة أوقات الذروة، يفرض عليها استرداد تكاليف التشغيل وبدء العمل خلال فترات زمنية أقصر، مما يضطرها لفرض أسعار أعلى بكثير للكهرباء التي تولدها.
يدفع هذا الشركات الخدمية الكبرى إلى الاستثمار المكثف في البطاريات، وتقديم حوافز للمستهلكين لترشيد الاستهلاك في أوقات الذروة. لم تكن هذه الفجوات غائبة عن كبار المتداولين العالميين، حيث دفعت الأسعار دون الصفر مجموعات عملاقة مثل “فيتول” و”ترافيكورا” للاستثمار في بطاريات التخزين الضخمة للاستفادة من فروقات البيع. يلخص إيفان فور سفغاردن، مؤسس شركة التنبؤات النرويجية “تريد دبليو باور”، المشهد مؤكداً أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في القدرة على توليد الطاقة وقت الظهيرة، بل في القدرة على نقلها وحفظها لسد الفجوة الكبيرة عندما يهدأ الطقس وتغيب الشمس.



