غوغل تُحدث تغييرات جذرية في نتائج البحث بأوروبا امتثالاً لقانون الأسواق الرقمية

شرعت شركة غوغل في تنفيذ تعديلات شاملة على طريقة عرض نتائج البحث للمستخدمين في دول الاتحاد الأوروبي، وذلك تلبيةً لمتطلبات قانون الأسواق الرقمية الأوروبي (DMA). وتصف الشركة هذه الخطوة بأنها التحول الأكبر في جودة تجربة البحث منذ انطلاق محركها قبل نحو 29 عاماً.
تهدف التعديلات إلى معالجة ما وصفته المفوضية الأوروبية بـ”التفضيل الذاتي” لخدمات غوغل في نتائج البحث. وسبق أن خلصت المفوضية إلى أن الشركة منحت خدماتها — بما فيها التسوق والفنادق والنقل والمحتوى الرياضي — ظهوراً أكثر بروزاً مقارنة بخدمات المنافسين من الأطراف الثالثة.
مساحة أوسع للمنافسين
في ظل التصميم الجديد، ستخصص غوغل حيزاً أكبر لمحركات البحث المتخصصة التابعة لشركات أخرى، مثل منصات مقارنة الأسعار والحجوزات كـExpedia وBooking.com. في المقابل، ستظهر الشركات المحلية في قوائم أقل بروزاً وبمعلومات أكثر تقييداً.
وصرح نيك فوكس، نائب الرئيس الأول للمعرفة والمعلومات في غوغل، لوكالة رويترز بأن الشركة تجري “تغييرات جوهرية” على البحث في أوروبا من أجل الامتثال للقانون، لكنه حذر من أن هذه التعديلات قد تؤدي إلى تراجع جودة النتائج بالنسبة للمستخدمين، وزيادة اعتماد الشركات على الوسطاء الرقميين بدلاً من الوصول المباشر إلى عملائها.
تراجع بعض المعلومات المباشرة
من أبرز ملامح التغييرات تقليص بعض المزايا التي كانت تعرضها غوغل مباشرةً ضمن صفحة نتائج البحث، مثل الأسعار الآنية والمعلومات المجمعة التي كانت تساعد المستخدم على مقارنة الخيارات في مجالات الفنادق والطيران وغيرها من الخدمات.
في الترتيب الجديد، قد يظهر محرك بحث متخصص واحد في مقدمة النتائج، يليه محركان آخران بمعلومات أقل، ثم قائمة بخدمات وشركات تعمل في قطاعات مثل الفنادق والطيران والمطاعم.
ترى غوغل أن هذا الترتيب قد يضطر المستخدم إلى إجراء عمليات بحث إضافية للحصول على المعلومات التي كان يحصل عليها مباشرة. في المقابل، تعتبر المفوضية الأوروبية أن الهدف هو منع المنصة من استغلال موقعها المهيمن لتفضيل خدماتها الخاصة على المنافسين.
غرامة بالملايين وتهديدات بغرامات إضافية
جاءت هذه التغييرات بعد قرار المفوضية الأوروبية في يوليو الماضي بفرض غرامة قدرها 460 مليون يورو على غوغل، بتهمة انتهاك قواعد قانون الأسواق الرقمية المتعلقة بنتائج البحث. وأوضحت المفوضية أن غوغل أعطت خدماتها — كالتسوق والفنادق والنقل والنتائج الرياضية — معاملة تفضيلية مقارنة بخدمات الأطراف الثالثة، بما يخالف التزام “حراس البوابة” الرقميين بتطبيق شروط شفافة وعادلة وغير تمييزية على ترتيب النتائج.
في القرار نفسه، فرضت المفوضية غرامة إضافية قدرها 430 مليون يورو على غوغل بسبب قيود فرضتها على مطوري التطبيقات في Google Play، ليصل إجمالي الغرامتين إلى 890 مليون يورو. وحددت المفوضية مهلة للامتثال، مع إمكانية فرض عقوبات إضافية إذا لم تنفذ الإجراءات المطلوبة.
الشركات المحلية في مرمى المخاوف
تشير غوغل إلى أن الإجراءات التنظيمية السابقة المرتبطة بقانون الأسواق الرقمية أدت إلى انخفاض حركة الحجوزات المباشرة المجانية للشركات الأوروبية بنحو 30%. وتحذر من أن التغييرات الجديدة قد تزيد الضغط على الشركات المحلية التي تعتمد على نتائج البحث للوصول إلى العملاء.
وبحسب الشركة، اختُبرت التعديلات الجديدة مع ملايين المستخدمين في أوروبا، وأظهرت الاختبارات استياء بعض المستخدمين بسبب حاجتهم إلى إعادة صياغة استفساراتهم للحصول على المعلومات المطلوبة.
في الجهة المقابلة، تراهن المفوضية الأوروبية على أن منح المنافسين مساحة أكبر في نتائج البحث سيعزز المنافسة ويحد من قدرة غوغل على استغلال هيمنتها في البحث لصالح خدماتها، مما يتيح للمستهلكين خيارات أوسع.
تشديد الرقابة على غوغل
تندرج هذه الخطوة ضمن حملة أوروبية أوسع لإعادة تنظيم أسواق التكنولوجيا الكبرى. في يوليو أيضاً، أصدرت المفوضية إجراءات ملزمة بشأن إتاحة بيانات بحث غوغل لمحركات البحث المنافسة، بما في ذلك خدمات الذكاء الاصطناعي التي تقدم وظائف بحث، بهدف تقليل الفجوة بين غوغل والمنافسين.
تشير المفوضية إلى أن حصة غوغل من سوق البحث في أوروبا تجاوزت 90% لعقود، ما يمنحها وصولاً واسعاً إلى بيانات المستخدمين ويعزز قدرتها على تحسين خوارزميات البحث والحفاظ على موقعها المهيمن.
وبذلك، لا تقتصر المعركة التنظيمية على ترتيب نتائج البحث، بل تمتد إلى توزيع البيانات وحركة العملاء والإعلانات والخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، في وقت يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تقليص نفوذ أكبر شركات التكنولوجيا وإتاحة مساحة أكبر للمنافسين الأوروبيين والعالميين.
تبلغ قيمة الغرامات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على غوغل في قضايا مكافحة الاحتكار المختلفة نحو 10.38 مليارات يورو على مدى قرابة عقدين، مما يجعل الشركة واحدة من أبرز ساحات المواجهة بين شركات التكنولوجيا الأمريكية والمنظمين الأوروبيين.



