الرئيسيةعربي و عالميكيف أصبحت المحيطات جرس إنذار للكوكب؟
عربي و عالمي

كيف أصبحت المحيطات جرس إنذار للكوكب؟

09/06/2026 17:01

لم يعد الحديث عن تدهور صحة المحيطات مجرد تحذيرات بيئية عابرة؛ بل تحول إلى أزمة وجودية تهدد الحياة على كوكب الأرض بأكمله. وقد أطلق الأمين العام للأمم المتحدة تحذيراً مدوياً بمناسبة يوم المحيطات، وذلك في سياق قرع جرس الإنذار بشأن خطر داهم.

تهديدات المناخ والاحترار والتحمض

تغطي المحيطات أكثر من 70 % من سطح الأرض وتنتج ما يزيد على نصف الأكسجين الذي يتنفسه البشر. وهي تواجه سلسلة معقدة من التهديدات؛ من الاحترار المناخي والتلوث إلى تحمض المياه والصيد الجائر واستنزاف التنوع البيولوجي. في «التقييم العالمي الثالث للمحيطات»، وهو تقرير علمي ضخم شارك في إعداده 600 عالم من 86 بلداً، دعا معدو التقرير إلى تحرك دولي عاجل لمواجهة تسارع وتيرة الاحترار والتلوث، والتهديدات غير المسبوقة التي تواجه الحياة البحرية. وقد خلص التقرير بوضوح إلى أن صحة المحيط، وهو أساس الحياة على الأرض، باتت مهددة بشكل خطير بعد أن اقتربت أنظمته البيئية من نقاط تحول حرجة، بل إن بعضها قد تخطاها بالفعل، ما يعني احتمال حدوث تغييرات دائمة وغير قابلة للإصلاح في بعض البيئات البحرية الحساسة.

تلعب المحيطات دوراً طبيعياً كممتص للحرارة الزائدة للتخفيف من وطأة الاحتباس الحراري، لكنها اليوم تواجه زيادة مطردة في مستويات الحموضة وارتفاعاً قياسياً في درجات حرارتها، ما أدى إلى تمددها الحراري وذوبان الجليد، وبالتالي ارتفاع منسوب المياه الذي يهدد نحو 37 % من سكان العالم الذين يعيشون في النطاق الساحلي. وقد امتصت المحيطات خلال العقود الماضية أكثر من 90 % من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري، مما جعلها بمثابة «مكيف طبيعي» لكوكب الأرض؛ لكن هذا الدور الحيوي بدأ يتحول إلى عبء هائل مع استمرار ارتفاع درجات حرارة المياه بصورة غير مسبوقة.

الاحترار البحري لم يعد مجرد أرقام في تقارير؛ بل أصبح ظاهرة تهدد الحياة البحرية مباشرة. فشعاب المرجان، التي تُعرف بأنها «غابات البحار الاستوائية»، تتعرض لظاهرة التبييض الجماعي بسبب ارتفاع حرارة المياه، ما يؤدي إلى موتها تدريجياً. وتشير تقديرات علماء البحار إلى أن العالم قد يفقد غالبية الشعاب المرجانية بحلول نهاية القرن إذا استمرت الانبعاثات بالمعدلات الحالية.

وبجانب الاحترار، تواجه المحيطات أزمة أخرى تتمثل في «التحمض البحري». منذ الثورة الصناعية امتصت المحيطات كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون، ما أدى إلى تغير التوازن الكيميائي للمياه وارتفاع مستويات الحموضة. هذه الظاهرة تهدد الكائنات التي تعتمد على الكالسيوم في تكوين هياكلها وأصدافها، مثل المحار وبعض أنواع العوالق البحرية، وهي تمثل الحلقة الأساسية في السلسلة الغذائية البحرية.

التلوث البلاستيكي وتأثيراته

لكن التغير المناخي ليس التهديد الوحيد؛ فالمحيطات تواجه كذلك كارثة التلوث البلاستيكي، أحد أكثر الفصول قتامة في ملف تدهور المحيطات. تحولت المادة التي ابتكرها الإنسان لتسهيل حياته إلى «لعنة كيميائية» أبدية تهدد المنظومة الحيوية للبحار. ملايين الأطنان من النفايات سنوياً تنتهي في البحار. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن البلاستيك أصبح موجوداً في كل مكان تقريباً، من الشواطئ وحتى أعماق المحيطات، بل وحتى داخل أجسام الكائنات البحرية.

تستقبل المحيطات سنوياً ما يتراوح بين 8 إلى 13 مليون طن متري من البلاستيك؛ الأمر يشبه إفراغ حمولة «شاحنة نفايات كاملة» في البحر كل دقيقة على مدار الساعة. وتشير التقديرات الأممية إلى أن الحجم الإجمالي التراكمي للنفايات البلاستيكية القابعة في المحيطات اليوم يتراوح بين 75 و199 مليون طن، وهي كمية هائلة لا تحللها الطبيعة، بل تكتفي بتفتيتها.

هذا التدفق المستمر يعود إلى أن 50 % من البلاستيك المنتج عالمياً مصمم للاستخدام لمرة واحدة، ولا تتعدى المدة الزمنية لاستخدام الكيس البلاستيكي في المتوسط 12 دقيقة قبل إلقائه، في حين يستغرق تحلله في الطبيعة قروناً. والمقلق علمياً أن 9 % فقط من إجمالي البلاستيك الذي صُنِع عبر التاريخ جرت إعادة تدويره بنجاح.

وتتوزع هذه القمامة في البحار بطريقة تجعل الأزمة خفية؛ إذ إن 15 % فقط من النفايات البلاستيكية تطفو على السطح، بينما يترسب 70 % منها في قاع المحيطات العميقة، ويهبط الباقي على الشواطئ. وتؤكد البيانات البحثية أن أكثر من 60 % من الأسماك تحتوي أجسادها على هذه الجزيئات، وأن واحدة من كل ثلاث أسماك تُصطاد للاستهلاك البشري تحمل في أحشائها بلاستيكاً، ما يعني أن هذه النفايات باتت تعود مجدداً وبشكل مباشر إلى السلسلة الغذائية وجسم الإنسان. وتسبب التلوث البلاستيكي سنوياً في مقتل أكثر من مليون كائن بحري من الطيور، والحيتان، والسلاحف؛ ولا يتوقف الأمر عند موت الحيوانات، فالبلاستيك لا يختفي بل يتكسر بفعل أشعة الشمس والأمواج إلى «جزيئات بلاستيكية دقيقة».

الصيد الجائر واستنزاف الموارد

أما الصيد الجائر، فيُعد من أخطر التحديات التي تهدد استدامة الحياة البحرية. التطور التكنولوجي في أساطيل الصيد الصناعية أدى إلى استنزاف مخزونات الأسماك بصورة تفوق قدرة الطبيعة على التعافي. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن أكثر من ثلث المخزونات السمكية العالمية يتعرض للاستغلال المفرط. ويحذر خبراء الاقتصاد البيئي من أن تأثير انهيار الثروة السمكية لن يقتصر على البيئة، بل سيمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، خصوصاً في الدول الفقيرة التي تعتمد بصورة رئيسية على الأسماك كمصدر للبروتين.

وتنقل البحار ما يقرب من 90 % من تجارة العالم، كما توفر وظائف لمئات الملايين من البشر في قطاعات النقل والطاقة والسياحة والصيد. لكن الخبراء يرون أن استمرار تدهور المحيطات قد يحولها من مصدر للثروة والاستقرار إلى مصدر للأزمات والنزاعات. فارتفاع مستويات البحار الناجم عن ذوبان الجليد وتمدد المياه حرارياً يهدد المدن الساحلية الكبرى، وقد يؤدي إلى موجات نزوح بشرية ضخمة خلال العقود المقبلة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن عشرات الملايين قد يضطرون إلى الهجرة بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، خصوصاً في المناطق الساحلية المنخفضة والجزر الصغيرة.

دعوات للتحرك الدولي والحلول

في مواجهة هذه التحديات، تتزايد الدعوات الدولية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة. يؤكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش على خطورة الاستمرار في التعامل مع المحيط باعتباره مورداً لا ينضب، في حين اعتبرت منظمة «غرينبيس» البيئية أن تقرير الأمم المتحدة يمثل جرس إنذار أخير يستوجب الإسراع في إنشاء محميات بحرية تحظى بحماية كاملة ويُحظر فيها أي نشاط بشري استغلالي، وتحديداً الصيد الصناعي وعمليات استخراج المعادن من الأعماق.

وتدفع منظمات بيئية وعلمية باتجاه فرض قيود دولية أشد على استخدام البلاستيك، وتشجيع الاقتصاد الأزرق المستدام، والتحول السريع نحو الطاقة النظيفة للحد من الانبعاثات الكربونية. ويرى خبراء أن إنقاذ المحيطات لم يعد خياراً بيئياً أو أخلاقياً فقط، بل أصبح ضرورة وجودية ترتبط ببقاء النظم المناخية والاقتصادية والغذائية على مستوى العالم.

كل ارتفاع إضافي في حرارة المياه، وكل طن جديد من النفايات البلاستيكية، يقرب العالم من نقطة قد يصبح فيها إصلاح الضرر أكثر صعوبة وكلفة. ورغم الصورة القاتمة، لا يزال العلماء يؤكدون أن الفرصة لم تضِع بالكامل؛ فالمحيطات تمتلك قدرة طبيعية هائلة على التعافي إذا أُعطيت الفرصة لذلك. لكن هذه الفرصة، بحسب الخبراء، تضيق بسرعة، وتتطلب قرارات سياسية واقتصادية جريئة تتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح قصيرة المدى.

ولا مبالغة في القول إن المعركة من أجل إنقاذ المحيطات بمثابة معركة من أجل إنقاذ الإنسان نفسه. فحين تختنق البحار، لا يقف الأمر عند اختناق الكائنات البحرية، بل يختل التوازن الذي جعل الحياة ممكنة على هذا الكوكب. لمواجهة هذا التحدي الأنثروبوجيني (البشري) المركب، يرى خبراء أن الإنقاذ يتطلب صياغة وصفة دولية حاسمة ومترابطة؛ تبدأ بوقف تدفق الطوفان البلاستيكي الذي يقتل الأحياء البحرية، ومنع الصرف الصناعي المحمل بالمعادن الثقيلة السامة لحماية السلسلة الغذائية، بالإضافة إلى التوسع في إعلان المحميات الطبيعية البحرية وتفعيل التشريعات الصارمة ضد الإضرار بالبيئة البحرية؛ إذ إن الحفاظ على المحيطات بات معركة دفاع مستميتة عن حاضر البشرية ومستقبلها، في حين أن الاستمرار في إجهاد المنظومة المائية سيعني عطب الرئة التي تتنفس بها الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *