الرئيسيةكتاب و آراءعندما تختفي قدسية اللحظة
كتاب و آراء

عندما تختفي قدسية اللحظة

نعيش في زمن غريب حيث يتجه الكثيرون إلى بث لحظاتهم الخاصة مباشرة على الإنترنت، من المعتمر أثناء الطواف إلى العروس خلال حفل زفافها، مروراً بأبناء المتوفى الذين ينقلون عزاءهم عبر الكاميرا.

ظاهرة البث المباشر في المناسبات

لم تعد المشكلة تقتصر على إدمان التصوير فقط؛ إذ تطورت إلى انعدام الوعي بخصوصية ما يجب أن يبقى خاصاً ومقدساً من اللحظات، كما لو أن كل تجربة بشرية вынуّضت أن تُحوَّل إلى محتوى نشاركه ونستفيد منه من حيث التفاعل والمكسب والشهرة.

الفرق بين التوثيق الخاص والنشر العام

لا ريب أن للتصوير نفع في بعض المناسبات؛ فنحن نسجل به ذكرياتنا العزيزة، ونسرّ بمشاركة من يتعذر عليهم الحضور. لكن هناك فرق واضح بين توثيق لحظة للاحتفاظ بها في ألبوماتنا الخاصة، وبين جعلها متاحة للجميع.

العبادة مثلاً هي شعائر تقيمها النفس مع خالقها، وتستدعي خشوعاً وتركيزاً بعيداً عن متابعة التعليقات أو حساب عدد المشاهدات.

وحفل الزفاف يجمّع لحظات خاصة لا تناسب جميعها للنشر.

وبالنسبة للعزاء، فالوضع أكثر حساسية؛ إذ يتوقع من أهل المتوفى أن يركزوا على ما هو أكثر أهمية من التصوير والنشر.

دعوة لاحترام خصوصية اللحظات

قبل أسابيع قليلة، تعرض أحد الأصدقاء لفقدان ابنه الشاب فدخل في حالة صدمة وذهول استمرت طوال فترة تلقّي العزاء. في الوقت ذاته، كان أحد أقاربه مشغولاً بتصوير الموجودين وسرد تفاصيل الحادثة التي أدت إلى وفاة الفقيد.

شاهد صديق آخر البث، فعبّر عن استيائه وسأل: ألم يكن من الأجدر بهذا القريب أن يحترم هول الفاجعة ويلتزم بالصمت؟

لا أتمنى لهذا الرجل الذي يلهو بالتصوير ويطيل الحديث أن يمر بمثل هذه الظروف، لكنه من المفيد أن يتخيل مكان الأب المفجوع ويتساءل: هل من المناسب تحويل مآسي الآخرين إلى محتوى دون مراعاة لمشاعرهم?

في الختام، ليست كل لحظة تصلح للتصوير، ولا كل صورة تصلح للنشر، ولا كل مناسبة تستدعي تغطية إعلامية. وفي كثير من الحالات، يكون أهدى ما نستطيع تقديمه للآخرين هو إبعاد الهاتف عن أيدينا واحترام خصوصية تلك اللحظة.

لرؤية مقالات الكاتب السابقة، اضغط على اسمه

يتحمل الكاتب وحده مسؤولية ما يُنشر في مقالات الرأي، ولا تتحمل الصحيفة أي مسؤولية عن الآراء الواردة فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *