السر الهندسي وراء عواء طائرة لوكهيد F-104 ستارفايتر الأمريكية

تُعدّ المقاتلة الأمريكية “لوكهيد F‑104 ستارفايتر” من أبرز الطائرات التي تركت بصمة فريدة في تاريخ الطيران العسكري، ليس فقط بسبب سرعتها الفائقة وتصميمها غير المألوف، بل أيضاً بفضل الصوت الحاد والمرعب الذي كانت تُصدره أثناء التشغيل والطيران. وقد وصفه كثيرون بأنه عواء مخيف يختلط بأجواء الحرب الباردة التي سادت لعقود طويلة.
المحرك الجنوبي كسبب للضوضاء الفريدة
وفقاً لتقرير نشرته موقع SlashGear، يعود السبب في هذا الصوت المميز إلى محرك الطائرة النفاث من طراز “جنرال إلكتريك J79″، وهو أحد أوائل المحركات المصممة خصيصاً للطيران المستمر بسرعات تفوق الصوت. كان محرك J79 يشكل قفزة هندسية في خمسينات القرن الماضي، إذ جمع بين حجمٍ صغير وقوة هائلة، حيث يصل دفعه إلى نحو 14,800 رطل، مما منح الـ F‑104 قدرةً على التسارع والارتفاع بمستوى غير مسبوق مقارنةً بمقاتلات عصره.
كيف يتولد العواء؟
أوضح التقرير أن الصوت الشهير يظهر عندما يتجاوز دفع المحرك نسبة 82 % من قدرته القصوى، فتبدأ فوهات العادم المتغيرة في مؤخرة المحرك بالانكماش تلقائياً. يؤدي هذا التغيير إلى تعديل طبيعة تدفق الهواء والموجات الصوتية الصادرة من المحرك، ما ينتج عنه ذلك العواء الحاد الذي عرفته الطائرة. ويقارن الخبراء هذه الظاهرة بما يحدث عند النفخ فوق فوهة زجاجة فارغة؛ فحركة الهواء غير المستقرة تُكوّن ذبذبات صوتية مميزة، وفي حالة الـ F‑104، تخلق الصفائح الداخلية المتحركة وتدفق الوقود داخل مخروط الذيل نمطاً هوائياً مضطرباً يولد العواء المميز.
العنوان السمعي للطائرة
لم يقتصر هذا الصوت على مرحلة الطيران فحسب، بل كان يُسمع أيضاً عندما تكون الطائرة على المدرج، ما جعله جزءاً أساسياً من هوية المقاتلة السمعية. ولذلك أطلق الطيارون وأطقم الصيانة على الطائرة لقب “هاولينغ هاولاند”، أي “هاولاند العوّاء”. يرتبط هذا اللقب، بحسب التقرير، بالدكتور و. ل. هاولاند، أحد أبرز مهندسي الاختبار الذين شاركوا في تطوير الطائرة خلال برنامج اختبار استمر خمس سنوات، وأسهموا في تحسين خصائصها الديناميكية وأنظمة التحكم.
تشير روايات أخرى إلى احتمال تأثر الاسم بشخصية كرتونية من خمسينات القرن الماضي تُدعى “هاولاند أول”، وهي شخصية معروفة بأسلوبها المتفاخر بالمعرفة، في إشارة ساخرة إلى مهندسي المشروع وتعقيد أنظمة الطائرة.
تصميم فريد يبرز الصوت
عند ظهورها لأول مرة في مطلع خمسينات القرن الماضي، بدت الـ F‑104 مختلفة جذرياً عن أي مقاتلة أخرى، إذ امتلكت هيكلاً انسيابياً شديدة النحافة، مع أجنحة قصيرة لا يتجاوز عرضها نحو 22 قدماً، وزوايا ميل غير مألوفة جعلتها أقرب إلى صاروخ طائر من طائرة قتالية تقليدية. كما كان محرك J79 يشغل أكثر من نصف طول الطائرة، ما عزز سرعتها بشكل كبير، لكنه في الوقت ذاته جعل صوت المحرك أكثر وضوحاً نظراً لغياب المسافات والمواد الكافية داخل الهيكل لعزل الضجيج وامتصاصه.
على الرغم من أن المقاتلة خرجت من الخدمة لدى القوات الأمريكية بحلول منتصف سبعينات القرن الماضي، استمرت في الطيران ضمن أساطيل عدة دول أوروبية لسنوات طويلة، وظل صوتها المميز علامة لا تخطئها آذان العاملين في مجال الطيران العسكري.
ويؤكد مراقبون أن الكثير من المقاتلات الحديثة تحمل بصمات صوتية خاصة، إلا أن القليل منها فقط نجح في ترك أثر سمعي استثنائي يضاهي الصرخة الشهيرة لطائرة F‑104 ستارفايتر، التي لا تزال تُعدّ واحدة من أكثر الطائرات رعباً وإثارة في تاريخ الطيران الحربي.



