عربي و عالمي

مهرجان الزربيان في عدن.. الحياة تنتصر على الخوف في مواجهة القصف

مهرجان الزربيان في عدن.. الحياة تنتصر على الخوف في مواجهة القصف

في الأسبوع الماضي، اجتمع طهاة وزوار في مدينة عدن اليمنية حول موائد الزربيان، في فعالية احتفت بطبق شعبي ارتبط بأعياد وأعراس المدينة، وجاءت كرسالة تحدٍ للهجمات الصاروخية التي شهدتها المدينة في الأسابيع السابقة. المهرجان، الذي حمل شعار “الطعم الذي يجمعنا”، امتد على مدى يومي الاثنين والثلاثاء، وجمع محبي هذه الوجبة التراثية، مسلطاً الضوء على مكانتها في الموروث الغذائي والاجتماعي لعدن.

رسالة الحياة رغم المخاوف

يقول مدير المهرجان شعيب العفيف إن الفعالية لم تكن مجرد احتفاء بوجبة تجاوزت شهرتها حدود عدن لتصل إلى المحافظات اليمنية ودول عربية وخليجية، بل كانت “رسالة واضحة بأن الحياة لا تتوقف أمام الخوف، وأن أبناء عدن متمسكون بمدينتهم وتراثهم وأفراحهم، وكأنهم يقولون للعالم إننا نختار الحياة رغم كل ما يحيط بنا من قصف وتهديد”. وأوضح العفيف أن المهرجان أتاح فرصة للتعريف بمهارات الطهاة وتنوع طرق إعداد الزربيان وتقديمه، وإبراز ما يميز المطبخ العدني من أطباق شعبية حافظت على حضورها عبر الأجيال.

ويرى العفيف أن مثل هذه المهرجانات تكتسب أهمية في التعريف بالموروث الغذائي كأحد مكونات الهوية الثقافية للمدن، فضلاً عن إمكانية الاستفادة منه في تنشيط الفعاليات السياحية والتراثية. من جانبها، أكدت الناشطة العدنية رئيسة مؤسسة “أكون” ليلى الشبيبي أن الاستهدافات الصاروخية الأخيرة التي تعرضت لها عدن أثارت قلقاً بين سكانها، لكن إقامة المهرجان تعكس تمسكهم بحياتهم الطبيعية وحرصهم على استمرار مناسباتهم وتقاليدهم دون أن تطغى المخاوف على تفاصيل يومياتهم. وأضافت أن “الزربيان بات جزءاً من طقوس الفرح والضيافة في عدن وباقي المدن اليمنية”.

نكهة تنتقل عبر الأجيال

يحضر الزربيان بقوة على موائد الأعياد والأعراس والولائم في عدن، حيث تتناقل الأسر والطهاة طرق إعداده بتفاصيلها الدقيقة في اختيار المكونات وضبط التوابل ومراحل الطهي. ويشرح الطاهي أرحب محمد علي قاسم أن إعداد الزربيان يبدأ بتتبيل اللحم بالزبادي والثوم والبهارات، مع استخدام الأرز والبطاطس والبصل، إلى جانب الهيل والقرفة والقرنفل والكمون والكركم وغيرها من التوابل. ويضيف: “تُطهى المكونات وفق مراحل متتابعة، بما يسمح بتداخل النكهات وتشرّب اللحم والأرز بالتوابل، حتى يكتسب الطبق مذاقه الغني ورائحته الزكية التي تميزه عن غيره من الوجبات”. ويؤكد قاسم أن خبرة الطاهي في اختيار المقادير وضبط الحرارة وتوقيت الطهي من أهم أسرار نجاح الزربيان، الذي تتوارث الأجيال طرق إعداده وتحافظ على مكانته في المطبخ العدني.

أما المواطن تنوير حسن إسماعيل، فيربط حضور الزربيان بالذاكرة العائلية، قائلاً إن لكل أسرة تفاصيلها في إعداده وتقديمه، وإن رائحته تستحضر لدى كثيرين ذكريات الأعياد واجتماعات الأقارب. ويشير إلى روايات متداولة تربط جذور الطبق بالمطبخ الهندي وانتقاله إلى عدن عبر التفاعل التاريخي والثقافي، قبل أن يكتسب هويته العدنية الخاصة.

مائدة تجمع الكرم والذاكرة

وتقول الصحفية العدنية نائلة هاشم إن الزربيان من أبرز الموروثات الغذائية المرتبطة بذاكرة المدينة ومناسباتها الاجتماعية، ويعكس قيم الكرم والضيافة والتواصل الاجتماعي، ويجسد جانباً من الهوية الثقافية لعدن. وعن المهرجان، ترى أنه يمثل “فرصة للتعريف بهذا الموروث الأصيل، وإبراز خصوصية المطبخ العدني، بما يسهم في الحفاظ على التراث المحلي ونقله إلى الأجيال القادمة”. ورغم انقضاء المهرجان، ترى الشبيبي أن دلالته تتجاوز المناسبة، لتعكس حرص عدن على صون عاداتها وموروثها وإبقاء تفاصيل حياتها الاجتماعية حاضرة رغم الظروف المقلقة. وبين مهارات الطهاة وذكريات الموائد العائلية، جمع المهرجان جوانب من تراث المدينة، ومنح المشاركين مناسبة للاحتفاء بطبق يتوارثون مذاقه، ويتمسكون بما يصاحبه من ألفة وفرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *