الرئيسيةعربي و عالميخلافات حادة تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي...
عربي و عالمي

خلافات حادة تهدد وحدة الاتحاد الأوروبي حول موازنة 2028-2034.. معركة «من يدفع ومن يحصل على ماذا»

31/08/2026 13:05

تكثف العواصم الأوروبية اتصالاتها ومشاوراتها سعياً للوصول إلى توافق بشأن الموازنة طويلة الأمد للاتحاد الأوروبي الممتدة من عام 2028 وحتى عام 2034. وهذه المفاوضات لا تقتصر على الجوانب المالية المحضة، بل تمتد لتلامس جوهر مستقبل المشروع الأوروبي ذاته.

يواصل رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، للأسبوع الثاني على التوالي، إجراء اتصالات مع قادة الدول الأعضاء بهدف تقريب وجهات النظر بشأن حجم الموازنة، آليات توزيع مواردها، ومصادر تمويلها. وتتسع الهوة بين الدول كلما اقترب النقاش من الأرقام والتفاصيل الدقيقة.

معادلة إنفاق غير مسبوقة

تواجه أوروبا حالياً معادلة صعبة لم يسبق لها مثيل: فهي مطالبة بإنفاق أكبر على قطاعات الدفاع والأمن والتكنولوجيا والصناعة وتعزيز القدرة التنافسية، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على تمويل الزراعة والتنمية الإقليمية والتماسك الاقتصادي والاجتماعي.

يأتي ذلك في وقت تضغط فيه القيود المالية على حكومات عدة، خصوصاً الدول الكبرى المساهمة في الموازنة الأوروبية. وهذا يجعل مسألة زيادة التمويل الأوروبي قضية سياسية داخلية بقدر ما هي قرار أوروبي مشترك.

تطرح المفوضية الأوروبية إطاراً مالياً يقترب من تريليوني يورو للسنوات السبع المقبلة، وهو ما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بالموازنة الحالية. غير أن السؤال لم يعد مقتصراً على مقدار الإنفاق الأوروبي، بل تحول إلى: على ماذا سينفق، ومن سيدفع الثمن، وكيف سيتم توفير الموارد اللازمة لتحقيق الطموحات الاستراتيجية من دون تعميق الانقسامات بين الدول الأعضاء.

انقسام بين دول الشمال والجنوب والشرق

تجد ألمانيا نفسها في قلب هذه المعادلة. فبرلين تؤيد تعزيز القدرات الدفاعية والصناعية الأوروبية، لكنها تتحفظ على زيادة كبيرة في مساهمتها المالية نظراً للضغوط التي تواجه موازنتها الوطنية. وهذه المقاربة تتقاطع مع مواقف كل من الدنمارك وفنلندا والنمسا وهولندا والسويد، التي تدفع باتجاه موازنة أكثر انضباطاً وتركيز الإنفاق على الأولويات التي تعتبرها الأكثر إلحاحاً.

في المقابل، تعرب دول جنوب وشرق أوروبا عن خشيتها من أن يؤدي توجيه مزيد من الموارد إلى الدفاع والتكنولوجيا إلى تقليص الأموال المخصصة للزراعة وصناديق التماسك. وتعتبر هذه البرامج حيوية بالنسبة لاقتصادات لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الأوروبي. لذا، فإن المعركة لا تدور حول حجم الموازنة فحسب، بل حول إعادة توزيع القوة والمصالح داخل الاتحاد.

البحث عن مصادر تمويل جديدة

تزداد صعوبة التفاوض مع سعي المفوضية الأوروبية إلى إيجاد مصادر إيرادات جديدة للاتحاد، إلى جانب استمرار النقاش حول الاقتراض المشترك. يرى مؤيدو هذه الأدوات أنها ضرورية لتمويل التحول الاستراتيجي الأوروبي وتخفيف الضغط عن الموازنات الوطنية، بينما تخشى دول أخرى أن تؤدي إلى توسيع صلاحيات المؤسسات الأوروبية ونقل مخاطر مالية أكبر إلى الدول الأعضاء.

تكشف هذه الخلافات عن مفارقة باتت تحكم السياسة الأوروبية: فكلما ازدادت التهديدات الخارجية والمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، ازدادت حاجة الاتحاد إلى موارد مشتركة، وكلما زادت الحاجة إلى الموارد، ارتفعت حساسية الحكومات تجاه مساهماتها الوطنية وحدود سيادتها المالية. كما أن إعادة ترتيب الأولويات تحمل مخاطر سياسية؛ فزيادة الإنفاق الدفاعي والتكنولوجي تبدو ضرورية في نظر معظم العواصم، لكن تمويلها عبر خفض الدعم الزراعي أو الإنفاق الإقليمي قد يفتح جبهة جديدة من الاعتراض داخل دول ترى في هذه البرامج جوهر التضامن الأوروبي.

من المرجح أن تقوم التسوية النهائية على مقايضات دقيقة: زيادة محدودة في الموارد مقابل إعادة ترتيب الأولويات، أو قبول مصادر تمويل جديدة مع فرض قيود على الإنفاق والاقتراض، أو حماية بعض البرامج التقليدية مع توجيه استثمارات إضافية إلى القطاعات الاستراتيجية. لكن الأهم أن المفاوضات ستختبر قدرة الاتحاد على ترجمة مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» من شعار سياسي إلى التزام مالي. تريد أوروبا أن تكون أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، وأقل اعتماداً على الخارج في التكنولوجيا والطاقة والصناعة، وأكثر حضوراً في الاقتصاد العالمي؛ لكن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى قرار حاسم بشأن من سيدفع كلفة الطموح الأوروبي.

تأتي جولة رئيس المجلس الأوروبي بين العواصم في هذا السياق كمسعى لمنع تحول الخلاف المالي إلى صراع سياسي مفتوح. فالوقت يضغط، وكل تأخير في الاتفاق يزيد صعوبة التخطيط للبرامج الأوروبية المقبلة ويكشف حدود قدرة الدول الأعضاء على التوفيق بين مصالحها الوطنية والمصلحة المشتركة.

لن تكون موازنة 2028-2034 مجرد جدول للأرقام والنفقات، بل اختباراً لمعادلة القوة داخل الاتحاد ولقدرته على العمل ككتلة واحدة. فإذا نجح القادة في تمويل الدفاع والتكنولوجيا والنمو مع الحفاظ على التضامن الاقتصادي والاجتماعي، فقد تؤسس الموازنة لمرحلة جديدة من التكامل الأوروبي. أما إذا عجزوا عن الاتفاق على من يدفع ومن يحصل على ماذا، فستظهر المشكلة الأعمق: أن أوروبا قد تكون قادرة على تحديد ما تريد أن تصبح عليه، لكنها لا تزال عاجزة عن الاتفاق على الثمن الذي يتعين عليها دفعه للوصول إلى هناك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *