الإمارات تحول العمل الخيري من إغاثة عاجلة إلى استثمار تنموي مستدام في 2026

تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة غداً، 4 سبتمبر، باليوم الدولي للعمل الخيري، في مناسبة تعيد تأكيد جذور ثقافة العطاء في المجتمع الإماراتي، وتبرز تطور المساعدات الإنسانية من مجرد تلبية احتياجات فورية إلى بناء حلول دائمة تعزز مستويات المعيشة وتوسع فرص المجتمعات والأفراد.
خلال العام الحالي 2026، برزت العديد من المبادرات الإنسانية والتنموية التي تعكس هذا التحول في مفهوم البذل؛ فبينما لا تزال حملات الإغاثة من الجوع والأزمات والكوارث قائمة، تم إطلاق مشاريع تركز على التعليم والصحة والمياه وتمكين الأفراد وبناء قدراتهم، مما يجعل العمل الخيري مساراً متصلاً يعالج احتياجات الإنسان الحالية ويمهد في الوقت نفسه لظروف أفضل في المستقبل.
حملة “حد الحياة” ونماذج التمويل المستدام
تُعد حملة “حد الحياة” من أبرز المبادرات هذا العام، والتي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، “رعاه الله”، بهدف إنقاذ 5 ملايين طفل حول العالم من الموت جوعاً. وقد نجحت الحملة في جمع أكثر من 2.822 مليار درهم، بمشاركة 44,208 مساهماً من أفراد وشركات ومؤسسات إنسانية.
وتتجاوز أهمية الحملة حجم التبرعات التي حصدتها، إذ تظهر قدرتها على تعبئة المجتمع حول قضية إنسانية جوهرية، وتؤكد أن العمل الخيري في الإمارات لا يقتصر على تقديم المساعدة، بل يمكنه تحويل التعاطف مع معاناة البشر إلى مبادرات واسعة النطاق ذات أهداف واضحة وأثر قابل للقياس.
ويمتد مفهوم الاستدامة أيضاً إلى آليات تمويل العمل الخيري، حيث أُطلق “وقف أم الإمارات للأيتام” ليكون مصدراً دائماً لرعاية الأيتام وتحسين جودة حياتهم وتعزيز التماسك الاجتماعي. وقد جمعت الحملة خلال شهر رمضان 3.3 مليار درهم، مما يوفر نموذجاً لتحويل التبرع من مساعدة مرتبطة بزمن محدد إلى أصل مستدام يواصل تأثيره لسنوات.
الاستثمار في التعليم والصحة لتمكين المجتمعات
يتجلى هذا التوجه أيضاً في المبادرات التي تضع التعليم في صميم العمل الخيري، باعتباره أحد أكثر الاستثمارات تأثيراً في مستقبل المجتمعات. شهد العام الحالي تنفيذ مشاريع لبناء مدارس وفصول دراسية، ودعم الرسوم الدراسية والطلاب المحتاجين، وتوفير الحواسيب والحقائب والمستلزمات التعليمية، إضافة إلى مبادرات تهدف إلى إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية في المناطق المتضررة.
في هذا السياق، دشنت مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية معهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للتعليم المهني في جمهورية السنغال، بطاقة استيعابية تقارب ألف طالب، بهدف تزويد الشباب بالمهارات المهنية والتقنية التي تعزز فرصهم في سوق العمل، مما يعكس انتقال جزء من الجهد الخيري من تقديم المساعدة المباشرة إلى تمكين المستفيد من امتلاك أدوات الاعتماد على الذات.
وشملت المشاريع التعليمية خلال العام الجاري إنشاء عشرات الفصول والمدارس في عدة دول، فيما أطلقت مؤسسات خيرية حملات لدعم تعليم الأطفال داخل الإمارات وخارجها، ومن بينها مبادرات تستهدف توفير المستلزمات والأجهزة والنقل والرسوم الدراسية، وأخرى خصصت لدعم الطلبة في قطاع غزة في ظل الظروف الاستثنائية التي يواجهونها.
وفي الجانب الصحي، برز إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن إطلاق مبادرة لدعم الجهود الرامية إلى القضاء على مرض “العمى النهري”، تستهدف 7 ملايين مستفيد مباشر و35.4 مليون مستفيد غير مباشر على مدى ثلاثة أعوام، في نموذج آخر للعمل الخيري والإنساني الذي ينتقل من معالجة آثار المرض إلى الإسهام في الحد منه وتحسين حياة ملايين الأشخاص على المدى الطويل.
وأطلقت هيئة الأعمال الخيرية العالمية مبادرة “صحتهم أمانة” لعام 2026، بمشاريع تتجاوز قيمتها 6 ملايين درهم، تشمل علاج 200 حالة داخل الدولة وخارجها، وإنشاء مراكز صحية في مناطق فقيرة وتوفير التجهيزات الطبية، وامتدت المساعدات إلى دعم المستشفيات والمرافق الصحية في مناطق متضررة، بما في ذلك تجهيزات أقسام الأطفال والنساء وحديثي الولادة والعناية المركزة.
مشاريع البنية التحتية والاستجابة العاجلة
تكتمل صورة نموذج العمل الخيري الإماراتي بمشاريع المياه والبنية التحتية حول العالم، والتي شملت حفر آلاف الآبار وتوفير مضخات المياه، إلى جانب مشاريع تحلية المياه والطاقة الشمسية، بما يلبي احتياجات يومية أساسية ويقلل في الوقت نفسه من اعتماد المجتمعات على المساعدات الطارئة.
وفي موازاة هذه المشاريع التنموية، لا تزال الاستجابة الإنسانية العاجلة حاضرة في المشهد الإماراتي، بل تمثل الوجه الآخر للعمل الخيري، خصوصاً في أوقات الأزمات، حيث تواصل الإمارات عمليات الإغاثة لقطاع غزة ضمن عملية “الفارس الشهم 3″، وتقديم مختلف أشكال الدعم الإنساني للشعب السوداني، فضلاً عن استجابتها العاجلة للمتضررين من الكوارث الطبيعية حول العالم.
مؤشرات وأرقام تعكس اتساع نطاق العطاء
تكشف مؤشرات العمل الخيري خلال العام الجاري عن اتساع نطاق هذا النشاط وتنوع مجالاته؛ إذ تجاوزت قيمة مشاريع هيئة الأعمال الخيرية العالمية داخل الدولة وخارجها خلال النصف الأول من العام 353 مليون درهم، بزيادة 15 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما نفذت جمعية الشارقة الخيرية خلال الفترة ذاتها 11,051 مشروعاً وحملة إنسانية وتنموية خارج الدولة بقيمة 139.8 مليون درهم.
من جانبها، نفذت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي برامج رمضانية استفاد منها أكثر من 1.5 مليون شخص داخل الدولة وفي 44 دولة حول العالم خلال عام 2026، كما شملت المبادرات مشاريع لدعم القرى الفقيرة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتنفيذ برامج صحية واجتماعية في عدد من الدول.
وتأتي هذه النتائج ضمن مسار طويل للعمل الخيري والإنساني الإماراتي؛ إذ تجاوز إجمالي مساعدات مؤسسة زايد الخير ملياري درهم، ووصل أثرها إلى أكثر من 180 دولة، فيما أنفقت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم الخيرية 192.6 مليون درهم خلال عام 2025 على مشاريع في 26 دولة، شملت قطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وتجسد المبادرات التي شهدها العام الجاري ملامح النموذج الإماراتي في العمل الخيري الذي يقوم على معادلة تجمع بين سرعة الاستجابة، واتساع نطاق الوصول، واستدامة الأثر، وتمكين الإنسان.



