محليات

الأسرة في عصر الرقمنة: بناء وعي مسؤول لحماية الأبناء

الأسرة في عصر الرقمنة: بناء وعي مسؤول لحماية الأبناء

التحديات الرقمية وتأثيرها على التنشئة

لم تعد الأجهزة الذكية والمنصات الإلكترونية مجرد أدوات للترفيه أو التواصل، بل أصبحت جزءًا من البيئة التي يُشكَّل فيها وعي الأطفال وتؤثر على اهتماماتهم وطريقة تفكيرهم وعلاقاتهم بالآخرين.

مع انتشار التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، يبرز دور الأسرة في مواكبة هذا التحول وتمكين الأبناء من الاستفادة من الفرص المعرفية التي تقدمها، مع غرس القيم وتمكينهم من التمييز بين المحتوى المفيد والضار.

القضية لا تكمن في إبعاد الأطفال عن العالم الرقمي، بل في إعدادهم للتعامل معه بوعي ومسؤولية، ما يستدعي تطوير أساليب التنشئة وتعزيز الحوار والثقة وبناء شراكة تربوية تجمع الأسرة والمدرسة والمجتمع.

دور الأسرة في التوجيه الواعي

أكد الدكتور محمد حمدان بن جرش السويدي، مدير جمعية الإمارات للمجتمع وعلم الاجتماع، أن مسؤولية الأسرة لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، بل تشمل بناء الوعي وتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات سليمة.

ويزداد هذا الدور أهمية مع تنوع مصادر المعرفة والتأثير؛ إذ لم تعد الأسرة المصدر الوحيد للمعلومات التي يحصل عليها الأبناء، مما يجعل الحوار المستمر والتوجيه أكثر ضرورة لمساعدتهم على فهم ما يتعرضون له والتعامل معه بطريقة متوازنة.

ويشترط التوجيه الرقمي أن يكون الوالدان على دراية بالمنصات التي يستخدمها الأطفال وطبيعة المحتوى الذي يتابعونه، دون أن يتحول التوجيه إلى رقابة صارمة تضعف الثقة أو تحد من فرص التعلم والاستكشاف.

استراتيجيات عملية للاستخدام المتوازن

تناولت الدكتورة زيزيت مصطفى نوفل، أستاذة علم الاجتماع والعمل الاجتماعي في جامعة الشارقة، خلال ندوة «الأسرة وتحديات التنشئة الاجتماعية في ظل التحولات الرقمية» أثر التحولات الرقمية على التنشئة الاجتماعية ومتطلباتها الجديدة على الأسرة.

ويُظهر التفاعل الرقمي أنه جزء من تجارب الأطفال اليومية، ويشكل اهتماماتهم وتصوراتهم عن العالم، ما يجعل التعامل معه مسؤولية تربوية تتجاوز مجرد تحديد أوقات استخدام الأجهزة.

ويتضمن ذلك مساعدة الأبناء على فهم الرسائل التي يتلقونها، وممارسة التفكير النقدي في المعلومات، والتمييز بين الحقائق والآراء والمحتوى المضلل.

من جهة أخرى، تتيح البيئة الرقمية فرصًا واسعة للتعلم واكتساب المهارات والتواصل مع مصادر المعرفة؛ لذا فإن الاستفادة منها ترتبط بقدرة الأسرة على توجيه الاستخدام.

وترى إيمان عز الدين، الحاصلة على ماجستير في الإعلام وثقافة الطفل، أن بناء الوعي لدى الأطفال يرتبط بالبيئة التي ينشؤون فيها وبطبيعة التواصل داخل الأسرة.

ويتعلم الطفل من سلوك والديه بقدر ما يتعلم من توجيهاتهما، لذا فإن الاستخدام الواعي للأجهزة من قبل الكبار يُعد جزءًا أساسيًا من التربية.

ولا يكفي أن تطلب الأسرة من الأطفال تقليل استخدام الهواتف إذا لم يلمسوا التزامًا مماثلاً من الوالدين، كما أن الحوار الهادئ يساعدهم على التعبير عن تجاربهم الرقمية ومناقشة ما يواجهونه من مواقف أو محتوى غير مناسب.

ويشمل بناء الوعي الرقمي تعريف الأطفال بأهمية حماية الخصوصية، وعدم مشاركة المعلومات والصور الشخصية دون إدراك للعواقب، والتعامل السليم مع التنمر الإلكتروني، والتحقق من المعلومات قبل تداولها.

ويشير الدكتور أحمد سعيد مرشد، الحاصل على دكتوراه في الدراسات النفسية للطفل ومدير مراكز لتأهيل الأطفال وتدريبهم في الإمارات، إلى أهمية مراعاة احتياجات الطفل ومرحلته العمرية عند تنظيم استخدام الأجهزة الرقمية.

ويجب أن لا يعتمد التعامل مع التكنولوجيا على المنع المطلق أو الإتاحة المفتوحة، بل على قواعد واضحة ومتوازنة تراعي عمر الطفل ومسؤولياته واحتياجاته، مع توفير بدائل تشجعه على ممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية والإبداعية، وتمنحه فرصًا للتفاعل المباشر مع الأسرة والأقران.

كما أن فهم دوافع الطفل وراء الاستخدام المتكرر للأجهزة يساعد الوالدين على اختيار أسلوب التوجيه المناسب، بدلاً من الاكتفاء بالتنبيه أو العقاب، ويعزز إشراك الأبناء في وضع قواعد الاستخدام شعورهم بالمسؤولية ويمنحهم فرصة لتعلم إدارة وقتهم واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.

تجارب أسرية تعكس التحديات العملية

تعكس تجارب أولياء الأمور جانبًا عمليًا من تحديات التربية الرقمية، إذ تتطلب الموازنة بين الاستفادة من التكنولوجيا وتنظيم استخدامها متابعة مستمرة واتفاقًا واضحًا داخل الأسرة على القواعد التي تناسب الأبناء.

ويبرز في هذا السياق تجارب شيخة سعيد الصريدي وشهد الحمادي، اللتين تتناولان من واقع الحياة الأسرية أهمية متابعة استخدام الأطفال للأجهزة والتواصل معهم بشأن ما يشاهدونه ويتفاعلون معه، إلى جانب تشجيعهم على الأنشطة التي تنمي مهاراتهم وتوسع دائرة اهتماماتهم خارج الشاشات.

وتؤكد التجارب الأسرية أن نجاح التوجيه لا يرتبط بالقواعد وحدها، بل بقدرة الوالدين على فهم اهتمامات الأطفال، والاستماع إلى أسئلتهم، وبناء الثقة التي تشجعهم على الرجوع إلى الأسرة عند مواجهة أي موقف يثير قلقهم في الفضاء الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *