مريم الجسمي: من جراحة الفم إلى إتقان الألمانية وبناء جسر ثقافي

البداية وتعلم اللغة الألمانية
بعد حصولها على درجة البكالوريوس في مصر وعودتها إلى الإمارات، قررت الدكتورة مريم الجسمي متابعة دراستها في ألمانيا بتشجيع من والدها الراحل الذي وصفته بأنه أكبر داعم لها. انتقلت أولاً إلى برلين حيث انضمت إلى معهد خاص لتعلم اللغة الألمانية ضمن بعثتها، واستمرت دراسة اللغة نحو عام في بيئة كان عدد الدارسين فيها قليلاً ومعظمهم من غرب ألمانيا. ذكرت أن وجود سفارة الدولة في برلين كان مهماً لها، وكانت تزورها بانتظام، لكن الحياة اليومية خارج هذا المحيط فرضت عليها التعامل مع مجتمع جديد ولغة لم تكن تعرفها، خاصةً أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن بعد متاحة بالشكل الذي نعرفه اليوم، مما جعل الاعتماد على النفس جزءاً أساسياً من تجربتها.
التخصص والتدريب في جراحة الفم
بعد برلين انتقلت الجسمي إلى جامعة ماينز القريبة من فرانكفورت حيث وجدت مجتمعاً أكثر تنوعاً وانفتاحاً، مع وجود أعداد أكبر من العرب من جنسيات مختلفة، ما سهّل الحياة اليومية والتفاعل. هناك بدأت إجراءات الحصول على ترخيص للعمل والتدريب ومن ثم تحصيل «البورد الألماني» في تخصص جراحة الفم، وهو برنامج تدريبي يمتد بين ثلاث وخمس سنوات بعد استكمال المتطلبات الطبية. أشارت إلى أن اللغة كانت في البداية أحد أكبر التحديات، لكنها مع الممارسة اليومية تحولت إلى أداة للدراسة والعمل والتواصل. لفتت الأنظار باعتبارها المرأة العربية المحجبة الوحيدة في محيطها الدراسي، حيث كان الزملاء يسألونها باستمرار «من أين أنت؟ هل أنت عربية؟»، وتحولت تلك الأسئلة إلى حوار يومي عن الإمارات والثقافة العربية والإسلام. كما شاركت في التدريب العملي للطلبة الألمان في الكلية، مما مكنها من استخدام اللغة في شرح التدريب بدلاً من مجرد فهم المحاضرات. وتزامن أحد فترات وجودها في ألمانيا مع افتتاح برج خليفة، ما أدى إلى أحاديث مع زملائها عن دبي والإمارات وعن الصيام عندما كانوا يعلمون أنها صائمة.
التفاعل الثقافي والمواقف الإنسانية
تحتفظ الجسمي بذكريات إنسانية من سنوات الدراسة، منها موقف ساعدها فيه زميل ألماني بحث عن غرفة فارغة لها لتتمكن من الصلاة، ولاحظت اهتماماً كبيراً من الزملاء بمعرفة الإسلام وسلوكيات المسلمين وتقديرهم للأخلاق الحميدة. وفي أحد الأيام أثناء مناوبتها بقسم الطوارئ في مستشفى جامعي بألمانيا، كانت المريضة الوحيدة التي تستطيع التحدث معها بالعربية هي مريضة عربية من الكويت، فتمكنت من التواصل معها وتطورت معرفة مستمرة بعد ذلك الموقف. وبعد سنوات من التجربة الأولى، استمرت علاقتها بألمانيا حيث تحضر الدورات والبرامج العلمية، وتستخدم اللغة الألمانية في المؤتمرات عندما ترى اسم أستاذ ألماني فتتجه إليه وتحدثه بالألمانية، ما يثير استغرابهم نظراً لصعوبة إتقان اللغة. كما التحقت ببرنامج دبلوم في جراحة وزراعة الأسنان عبر جمعية ألمانية وانتقلت إلى مدينة كيل شمال ألمانيا؛ على الرغم من أن البرنامج كان يُدرّس بالإنجليزية، فإنها كانت تتحدث بالألمانية مع الحاضرين مما يثير دهشتهم كلما اكتشفوا إجادتها للغة.
العلاقة المستمرة مع ألمانيا وتأثير الزيارة الرئاسية
تصف الدكتورة مريم الجسمي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى ألمانيا بأنها لحظة خاصة بحكم تجربتها الدراسية والمهنية هناك وما لاحظته من تقدير للإمارات وشعبها خلال إقامتها. ترى أن هذه الزيارة ستعزز جسور التعاون بين البلدين وتفتح آفاقاً أوسع أمام الأجيال الجديدة للاستفادة من التجارب العلمية والأكاديمية والطبية، مشيرة إلى أن علاقتها بألمانيا لم تنتهِ بالانتهاء من الدراسة بل تستمر عبر حضور الدورات والبرامج التخصصية، وأن الصعوبات التي واجهتها من تعلم لغة جديدة والعيش بعيداً عن الأسرة والاندماج في مجتمع مختلف ودخول برنامج تدريبي تخصصي كانت جميعاً جزءاً من تجربة زادت اعتمادها على النفس.



