محليات

التحكيم الذكي: بين وعد الخوارزمية وحكم الإنسان

التحكيم الذكي: بين وعد الخوارزمية وحكم الإنسان

تخيل حالة تجارية يتم فيها رفع المستندات عبر شبكة إلكترونية، وتعقد الجلسات عن بعد، بينما يحلل الذكاء الاصطناعي آلاف الصفحات في دقائق قليلة ويقترح الحل الأقرب استناداً إلى الوقائع والسوابق. هذا لم يعد مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبح اتجاهاً متسارعاً يعيد رسم حدود التحكيم ويغير دور العنصر البشري فيه.

مفهوم التحكيم الإلكتروني الذكي

التحكيم الذكي لا يقتصر على تحويل الأوراق إلى منصات رقمية فحسب، بل يستعين بالذكاء الاصطناعي لفرز الأدلة، وتلخيص المذكرات، وفحص العقود، ورصد التناقضات، وجدولة المواعيد، بل وتوقع مسارات النزاع المحتملة. وتظهر فائدته جلياً في المنازعات التجارية التي تتجاوز الحدود، حيث يختصر الوقت والتكلفة ويتيح للأطراف والمحكمين المشاركة من أي مكان دون التقيد بموقع جغرافي.

الفوائد والحدود التقنية

مع ذلك، لا تعني السرعة بالضرورة تحقيق عدالة أفضل؛ فقد تستند الخوارزمية إلى بيانات ناقصة أو متحيزة، أو تنتج توصية يصعب استنتاج منطقها. كما تثير التقنية مخاوف تتعلق بسرية الوثائق، وحماية البيانات، والأمن السيبراني، والتحقق من هوية المشاركين، وضمان عدم تأثيرها على الشهود. إذا عطل خلل تقني قدرة طرف على تقديم دفاعه، فقد يتحول الابتكار إلى سبب للطعن في الحكم أو resistencia لتنفيذه.

الإطار القانوني في الإمارات

في دولة الإمارات، يوفر قانون التحكيم بعد تعديلاته قاعدة مرنة لإجراء التحكيم حضورياً أو افتراضياً باستخدام وسائل التقنية الحديثة. غير أن السماح برقمنة الإجراءات لا يعني إسناد سلطة الفصل المستقل للآلة؛ فالحكم التحكيمي يظل مرتبطاً بشخص المحكم، وحياده، واستقلاله، وفهمه للوقائع، وقدرته على التسبيب والموازنة بين الأدلة.

اتجاه المستقبل: المحكم المعزز

لذلك يبدو المسار الأقرب هو «المحكّم المعزز بالذكاء الاصطناعي» وليس «المحكّم الآلي». فالذكاء الاصطناعي يمكنه المساعدة في التحليل، لكنه لا ينبغي أن يحل محل التقدير القانوني والإنساني. يتطلب نجاح هذا النموذج اتفاقاً واضحاً على الأدوات المستخدمة، وضمان حق الأطراف في معرفة تأثيرها ومناقشة نتائجها، ووضع قواعد دقيقة للمساءلة والسرية وحماية البيانات.

التحدي الحقيقي ليس في قدرة التقنية على قراءة الملف، بل في تحديد من يتحمل مسؤولية خطأها، ومدى وجوب الإفصاح عن استخدامها، وكيفية مراجعة توصياتها قبل اعتمادها في الحكم النهائي. فالعدالة الذكية لا تتحقق عندما تصدر الخوارزمية قراراً أسرع، بل عندما تُستعمل التقنية لرفع كفاءة التحكيم دون أن تنقص من ضماناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *