الرئيسيةأخبار السعوديةالتظاهر بالتواضع بين المسؤولين: بين المظاهر...
أخبار السعودية

التظاهر بالتواضع بين المسؤولين: بين المظاهر العامة والواقع الخاص

20/05/2026 19:00

أكتب هذه السطور وأنا أستمتع بحرية التعبير، لكن محتواها لا يحمل طابعاً لطيفاً أو مبهجاً. كثيرًا ما يُظهر بعض المسؤولين في المناسبات العامة مظهرًا يُظهرون فيه التواضع، أو بالأحرى ما يمكن تسميته “تظاهرًا بالتواضع”، لتتضح لاحقًا أن سلوكهم في الدوائر الخاصة يختلف تمامًا. وراء هذا الهدوء المصطنع تختبئ مستويات مرتفعة من الغرور والتعالي.

مشروع يُعَدّ إضافة للبلد

هناك موضوع مهم تبنّيته وسعيت إلى إبرازه من عدة جوانب. وأوضح عندما أقول إنني أكتب عنه بأريحية أنني لا أملك أي مصلحة شخصية أو تضارب في المصالح تجاهه؛ فهو يختلف عن مجالي المهني وتخصصي تمامًا. غير أنني رأيت فيه قيمة مضافة للوطن واقتصاده، إذ نجح على الصعيد العالمي وأعتقد أنه قادر على إحداث فائدة حقيقية للبلاد.

الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لي هو أن هذا المشروع سيساهم في خلق وظائف ذات دخل جيد للمواطنين، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يدفعني إلى دعم أي فكرة تُسهم في توفير فرص عمل، فاعتبار ذلك من أرقى صور العطاء للوطن.

لقاء مع مسؤول متواضع يتحول إلى بيروقراطية

منذ فترة التقيت بأحد المسؤولين في مناسبة عامة، وقد ظهر بمظهر التواضع والتعاون إلى حد أنني شعرت وكأن التواضع يقطر من ملابسه. هذا الانطباع جعلني أتوقع أن التعامل معه سهل ويسير، فقررت مناقشة الفكرة معه بثقة، موضحًا أن الموضوع لا يتضمن مصلحة خاصة ولا يتطلب دعماً مالياً أو تقنياً، بل هو فكرة مطبقة وناجحة في الخارج وتحتاج فقط إلى بعض الترتيبات الإدارية.

إلا أن رد المسؤول كان مفاجئًا؛ تحوّل المشهد تمامًا وكأنني أتعامل مع شخصية مختلفة. ظهرت فجأة البيروقراطية والروتين والمتطلبات المتعددة من اجتماعات وعروض، وتحولت الدعوة إلى “قابلنا أولًا ثم اطلب ما تشاء”، بل وتُركت المجال لتصعيد الموضوع إلى مستويات أعلى إذا رغبنا. ما كان من المفترض أن يكون لقاءً بسيطًا مع المواطن أصبح أمرًا بعيد المنال.

من ثقافة الباب المفتوح إلى الواقع المتباين

أذكر مقولة: “He bows his head in public but raises his nose in private”، أي “يخفض رأسه أمام الناس، لكنه يرفع أنفه تكبرًا خلف الأبواب المغلقة”. إنني نشأت في الرياض وتخرجت من مدرسة سلمان بن عبدالعزيز، حيث كان مفهوم “الباب المفتوح” جزءًا من ثقافتنا. كنا نذهب إلى مقر الحكم لنطرح مشكلاتنا، ونتحدث بحرية مع أميرنا الشيخ فهد بن عبدالعزيز.

كان الأمير يستقبل يوميًا مئات الأشخاص من مختلف فئات المجتمع، سواء كانوا مثقفين أو عاديين، أو أصحاب أسلوب حديث أو غيره، ويعاملهم كأب وقائد. لم يكن يلزم حضور كل التفاصيل، بل كان يوجه القضايا إلى نوابه، لكن فكرة الباب المفتوح بين الحاكم والمواطن كانت سائدة عمليًا، لا مجرد شعار إعلامي.

نحن الذين تربينا في بيئة كهذه نتوقع من المسؤولين أن يتبعوا نهج قادتهم. فإذا كان المشروع شبه جاهز ومطبق عالميًا ولا يتطلب دعماً حكوميًا كبيرًا، فكم من الأفكار الإبداعية دُفنت بسبب مواقف بعض المسؤولين؟

ضرورة إعادة توجيه المسؤولية نحو المواطن

بعض المسؤولين الجدد لا يعتبرون مقابلة المواطن أولوية، وربما يكون من الضروري إدراج “مقابلة المواطن” ضمن مؤشرات الأداء (KPI) لإجبارهم على الانتباه إلى ذلك. فالوظيفة العامة تهدف أصلاً إلى خدمة المواطن، وإن كان الموظف يفتقر إلى مهارات التواصل والاستماع، فقد يحتاج إلى مراجعة وضعه الوظيفي.

المسؤول الذي يعلن عن تواضعه في المناسبات العامة، بينما يُظهر غرورًا في حياته الخاصة، لا يمارس تواضعًا حقيقيًا بل يتصنعه. كما تقول مقولة أخرى: “He puts on a cloak of humility but wears the crown of arrogance”، أي “يرتدي عباءة التواضع، لكنه يضع على رأسه تاج الغرور”. هذا النوع من السلوك، في رأيي، أسوأ من الشخص المغرور علنًا؛ لأن الأخير على الأقل لا يخفي حقيقتة ولا يتصنع أمام الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *