الرئيسيةفنلوحة كورا والفيلسوف ابن حنبل: قراءة...
فن

لوحة كورا والفيلسوف ابن حنبل: قراءة في مفهوم الأبدال وتعددية الرؤى

21/05/2026 14:31

سجّلت الرسامة كورا فكرة فلسفية في لوحة فنية تجمع بين مشهد خيالي للخيول والإنسان، حيث يظهر خيل من بعيد يملك يدًا إنسانية يرسم خيلًا يخرق البحر بحوافره، وإنسان بلا يدين يجلس خلف صخرة يراقب المشهد. وعندما وصلَت اللوحة إلى يد الفيلسوف السوفسطائي بروتاغوراس، استنتج منها أن كل كائن يدرك الوجود من منظور ذاته، فأطلق عليها عنوانًا يعبّر عن النسبية المطلقة قائلاً: «الإنسان مقياس كل شيء».

تأويلات كانط وتعدد الألوان الفلسفية

استفاد الفيلسوف إيمانويل كانط من هذه الفكرة ليُصوّر الإنسان وهو يرتدي نظارة ملونة؛ فإذا ارتدى اللون الأخضر يصبح الوجود أخضر، وإذا ارتدى الأزرق يصبح الوجود أزرق. سأل تلميذه يوهان هيردر ما إذا كانت هذه النظارة قد تتغير من أمة إلى أخرى، مشيرًا إلى أن لكل أمة لغتها، ولكل لغة بنيتها، ولكل بنية تراكيبها، ولكل تراكيب مفرداتها التي تنحت الواقع، مما يدل على تعدد الرؤى.

مرور اللوحة بالعالم العربي وتبني الصوفية لمفهوم الأبدال

عبرت اللوحة إلى بلاد العرب في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ووجدت صدىً واسعًا في الأوساط الصوفية. استولى عليها عدد من الصوفيين، من بينهم عبد الواحد بن زيد وإبراهيم بن أدهم، وأسماها «الأبدال» إشارة إلى تحول الخيل إلى إنسان. كان المقصود من الاسم إشارةً إلى مجموعة من الأولياء والعُباد الذين يسيّرون الوجود بإشراقاتهم، حيث يُستبدل كل منهم بآخر عند وفاته.

تداخل الفلسفة الصوفية مع الفكر الإسلامي وتفسير ابن حنبل

رأت الصوفية في اللوحة مرآةً لرؤيتهم للوجود والمعرفة، التي تحتاج إلى دعائم حسية اجتماعية. عندما ظهر الإسلام كمصدر الحقيقة، ارتكزت الرؤية على أفعال النبي وسماع أقواله. ومع ذلك، سعت الصوفية إلى إيجاد «بديل» نظري يُكمل هذه الرؤية، فظهرت نظرية الأبدال التي تأثرت بالثقافات الفارسية والهندية التي تربط الوجود بقوى خفية.

صاغ الإمام ابن حنبل هذه النظرية في قالب مفهومي، مستقلاً المصطلح من ميدان الميتافيزيقا إلى العقل العربي الحسي. قال للصوفيين إن لوحة كورا تعبر عن «شكل الإبدال» لا عن كائنات غير مرئية. سأل الصوفي ابن إبراهيم عن هوية الأبدال فأجاب: «هم أهل الحديث». ثم أظهر كُرّاسًا يضع فيه المصحف كخط أساس، ويرسم خطوطًا موازية من اليمين واليسار، ويكتب من أعلى إلى أسفل آية: «أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم». أضاف أسماءً على هوامش الكُراس وخطوطًا مقطوعة تتقاطع مع الخطين المتوازيين لتُظهر محاولات الإبدال.

تصنيف الأبدال بين الإيجابي والسلبي في رؤية ابن حنبل

أوضح ابن حنبل أن جميع المشاركين في اللوحة هم أبدال، غير أن هناك أبدالًا سلبيين يتمثلون في الخطوط المقطوعة، الذين يحرّفون وينتحلون ويُقلبون المعنى، وهي صفات لا تُنسب إلى العرب. أما الأبدال الإيجابيون فهم أهل الحديث، الذين يمثلون العرب في نظرتهم الوجودية، ويحمون بنية الواقع.

من هذا المنطلق نفى أهل الحديث ما يُسمّى «إبدال» الألفاظ والمعاني عن مراد الله، معتبرين أن القرآن يذكر «يد الله فوق أيديهم» دون تكييف أو تجسيد، وبالتالي رفضوا أي تحريف أو تأويل يضيف أو يزيل عن النص. وعملوا على منع «إبدال» الشكل الأصلي بمتخيل زائف أو إبدال الباطن المجرد بالظاهر المحسوس.

رد الفعل الصوفي والانتقادات الفلسفية

في محاولة لحماية وجودهم من أي تبديل، دعا أهل الحديث إلى ثورة إبدال مضادة، أي تأسيس طائفة تحافظ على الوجود الإلهي كما يشعر به العربي، دون تجريد أو تشويه. كما انتقد أرسطو في مؤلفه «الميتافيزيقا» إكسينوفانيس، معتبرًا إبداعه في ربط المطلق بالوجود عبر الحس الثقافي خطأً، مؤكدًا أن المنطق العقلي هو السبيل الوحيد لفهم المطلق، وهو ما يرفضه أهل الحديث عندما يُستعمل ضدهم.

وأخيرًا، تُنسب إلى الرسامة كورا اختراع فن الرسم، إذ يروى أنها أرادت حفظ صورة عشيقها قبل سفره، فتبعت ظلّ وجهه على الجدار ورسمته بخط متصل. هذا الفعل الشبيه بما فعله ابن حنبل عندما وضع الخطوط لحفظ النص من الفقدان والتبديل.

ملحق توضيحي حول مفهوم الإبدال في اللغة العربية

عند العرب، يُعَرّف الإبدال بأنه استبدال حرف بحرف آخر يقترب في المخرج والصفة مع الحفاظ على المعنى. مثال ذلك كلمة «صراط» التي تُنطق صراط، سراط، وزراط؛ فالحروف ص، س، ز تتقاسم صفة الصفير، وبالتالي تُبدَل بينها دون تغيير في المعنى. أما كلمتي «نظر» و«نضر» فحرفي الضاد والظاء قريبان في المخرج، لكن معانيهما تختلف؛ لذا لا تُعتبر إبدالًا في اللغة العربية.

وبالتالي، فإن الأبدال في لوحة ابن حنبل يتغيرون في الشكل ويموتون، ليحلّ محلهم آخرون، والغرض من هذا التبديل هو الحفاظ على المعنى الأصلي للوجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *