الرئيسيةالرياضةميكيل أرتيتا يبني هوية آرسنال بعيداً...
الرياضة

ميكيل أرتيتا يبني هوية آرسنال بعيداً عن ظل غوارديولا

20/05/2026 17:07

كان بإمكان ميكيل أرتيتا أن يمضي سنوات أطول في مانشستر سيتي، منتظراً اللحظة التي يقرر فيها بيب غوارديولا مغادرة النادي، ليتسلم بعدها واحداً من أقوى المشاريع الكروية في أوروبا وهو جاهز بكل تفاصيله. الرجل عمل إلى جانب المدرب الإسباني لأكثر من ثلاث سنوات ونصف، وتلقى علومه داخل واحدة من أكثر المدارس التدريبية تطوراً في كرة القدم الحديثة، حتى إن غوارديولا نفسه رأى فيه مبكراً الشخص القادر على خلافته يوماً ما، لكن أرتيتا اختار طريقاً مختلفاً تماماً.

مغامرة في قلب الفوضى

فضل المدرب الشاب في نهاية عام 2019 مغادرة مقعد المساعد داخل مانشستر سيتي والذهاب إلى نادٍ يعيش حالة من الفوضى الكاملة: فريق فقد هويته، وجماهير لم تعد تعرف إلى أين يتجه النادي بعد سنوات مضطربة في عهد آرسين فينغر، ثم الفترة القصيرة التي قاد فيها أوناي إيمري الفريق. بينما كان كثيرون يرون أن أرتيتا يخاطر بمستقبله التدريبي مبكراً، كان هو يرى الأمر بطريقة أخرى؛ مشروع يريد بناءه بنفسه، وليس مشروعاً جاهزاً ينتظر وراثته.

ورغم رحيله إلى آرسنال في نهاية 2019، ظل اسم أرتيتا حاضراً داخل مانشستر سيتي كخيار محتمل لخلافة غوارديولا، خصوصاً في صيف 2021 حين بدا رحيل بيب وارداً، بينما كان مسؤولو النادي الإنجليزي ينظرون بإعجاب إلى العمل الذي يقدمه أرتيتا في لندن.

إعادة بناء قبل البطولات

وصل أرتيتا إلى آرسنال في واحدة من أصعب الفترات التي عاشها النادي خلال العقدين الأخيرين، إذ وجد غرفة ملابس مهتزة، وفريقاً يفتقد الشخصية، وأزمات مستمرة مع أبرز نجومه وقتها، مثل مسعود أوزيل وبيير إيمريك أوباميانغ. ولم يحاول المدرب الإسباني البحث عن حلول سريعة أو انتصارات مؤقتة تمنحه الهدوء، بل بدأ إعادة تشكيل النادي بالكامل، سواء داخل الملعب أو خارجه، معتمداً على تغيير عقلية الفريق قبل الحديث عن البطولات.

احتاج المشروع إلى سنوات حتى تظهر ملامحه الحقيقية، خصوصاً أن آرسنال لم يتحول فجأة إلى فريق ينافس على الألقاب، بل مر بفترات صعبة، وشهد انهيارات متكررة في سباقات الدوري الإنجليزي خلال المواسم الماضية، وسط انتقادات مستمرة لقدرة الفريق على تحمل الضغوط.

لكن النسخة الحالية من آرسنال تبدو مختلفة تماماً، فاقترب الفريق من حصد لقب الدوري الإنجليزي لأول مرة منذ 2004، بعدما تقدم بفارق خمس نقاط قبل جولة واحدة من النهاية عقب الفوز على بيرنلي، كما يستعد لخوض نهائي دوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، ما يؤكد حجم التحول الذي حدث داخل النادي خلال السنوات الأخيرة.

شخصية مختلفة عن أستاذه

لم يعد الحديث يدور فقط حول نتائج آرسنال، وإنما حول الشخصية التي اكتسبها الفريق تحت قيادة أرتيتا، إذ تحول النادي من فريق يعيش على ذكريات الماضي إلى مشروع مستقر يعرف ما يريده داخل الملعب وخارجه. والمفارقة أن هذا التحول لم يعتمد على كرة هجومية ساحرة تشبه أسلوب غوارديولا، رغم العلاقة الفكرية الواضحة بين الرجلين. فآرسنال أرتيتا أصبح أكثر واقعية خلال الموسمين الأخيرين، بل إن كثيرين رأوا أن الفريق الحالي يملك قواسم مشتركة أكبر مع تشيلسي جوزيه مورينيو في منتصف الألفية، أكثر من تشابهه مع مانشستر سيتي أو حتى آرسنال فينغر القديم.

اعتمد الفريق هذا الموسم على الصلابة الدفاعية والكرات الثابتة وتحقيق الفوز بأقل فارق ممكن، بدلاً من الاستعراض الهجومي، وهو ما ظهر أمام بيرنلي، حين جاء هدف الفوز الوحيد عبر ركلة ركنية سجلها كاي هافيرتز، بينما اكتفى الفريق بثلاث تسديدات فقط على المرمى طوال المباراة. رغم ذلك، حافظ آرسنال على استقراره طوال الموسم، إذ خاض 61 مباراة في جميع البطولات وخسر سبع مرات فقط، كما نجح في تجاوز فترة صعبة بين مارس وأبريل شهدت عودة الانتقادات المعتادة المتعلقة بقدرة الفريق على الصمود، قبل أن يرد بخمس انتصارات وتعادل في آخر ست مباريات.

لم يكن التغيير داخل آرسنال فنياً فقط، إذ تحدث أرتيتا أكثر من مرة عن إعادة بناء ثقافة النادي نفسها، وهي النقطة التي يراها كثيرون السبب الحقيقي وراء استمرار تطور الفريق عاماً بعد آخر، بعكس مدربين آخرين بدأوا مشاريع واعدة داخل أندية كبرى ثم فقدوا السيطرة سريعاً.

مشروع مستقل في انتظار حقبة جديدة

لهذا لم يعد اسم أرتيتا مرتبطاً بخلافة غوارديولا كما كان يحدث سابقاً، لأن مدرب آرسنال لم يعد تلميذاً خرج من مدرسة مانشستر سيتي، بل أصبح صاحب مشروع مستقل ينافس أستاذه نفسه. وازداد هذا الشعور مع اقتراب نهاية حقبة غوارديولا في مانشستر سيتي، بعدما أشارت التقارير إلى استعداد المدرب الإسباني للرحيل، في وقت يبدو فيه آرسنال أكثر أندية الدوري الإنجليزي جاهزية للاستفادة من المرحلة الجديدة.

لا يتعلق الأمر فقط بإمكانية حصد لقب الدوري هذا الموسم أو المنافسة على دوري الأبطال، وإنما بأن آرسنال أصبح يبدو كنادٍ يعرف الطريق الذي يسير فيه، بعد سنوات طويلة من التخبط، في ظل وجود مدرب نجح في بناء مشروع واضح المعالم.

ربما لهذا السبب بدا أرتيتا بعد مباراة بيرنلي أكثر هدوءاً من المعتاد، وهو يقف أمام جماهير آرسنال داخل ملعب الإمارات، سعيداً بما وصل إليه الفريق بعد سنوات طويلة من المعاناة وعدم الاستقرار. لم يعد آرسنال يبحث عن هوية جديدة، لأن أرتيتا نجح بالفعل في بناء هويته الخاصة، بعيداً عن غوارديولا، وبعيداً أيضاً عن فكرة أنه المدرب الشاب الذي كان من المفترض أن يرث مقعد أستاذه يوماً ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *