الحوار مع روسيا: مخاوف أوروبية من الوقوع في «فخ الكرملين» التفاوضي

تحوّل في الموقف الأوروبي تجاه الحوار المباشر مع موسكو
بعدما كانت الأصوات الأوروبية الداعية إلى الحوار مع موسكو محدودة بل ومعزولة في السابق، يبدو الاتحاد الأوروبي الآن أكثر انفتاحاً على فكرة الانخراط في محادثات مباشرة مع روسيا بهدف إنهاء الحرب في أوكرانيا. يأتي هذا التطور في وقت تركز فيه الولايات المتحدة بشكل شبه كامل على الشرق الأوسط.
مخاطر التفاوض: انتقادات وتحذيرات من «فخ الكرملين»
غير أن محللين أوروبيين يحذرون من أن أي شخصية يُعهد إليها بهذه المهمة قد تندم لاحقاً، معتبرين أن محاولة كسر العزلة الدبلوماسية التي يفرضها الأوروبيون على موسكو تحمل مخاطر كبيرة للجانب الأوروبي، الذي يسعى إلى ضمان مقعد له على طاولة المفاوضات لرسم مستقبل المنظومة الأمنية للقارة. ويخشى هؤلاء في الوقت نفسه من الوقوع في «فخ الكرملين»، حيث سيتلقى أي مفاوض أوروبي من موسكو مطالبها نفسها، وفي مقدمتها الاعتراف بالمناطق الأربع التي ضمتها روسيا.
انقسام أوروبي حول توقيت وشروط أي مفاوضات
دول أعضاء في الاتحاد، بينها ألمانيا وهولندا ودول الشمال ودول البلطيق، تفضل التريث والاستمرار في تشديد الخناق على الاقتصاد الروسي. ويعتقد هذا المعسكر أن مواصلة الضغط الاقتصادي تكفي لإضعاف الموقف التفاوضي لموسكو وفتح نافذة لتسوية لم تتبلور بعد، وإلا فقد ينتهي الأمر بأي مبعوث أوروبي إلى العودة خالي الوفاض ومثقلاً بالفشل والإحراج. ويشكك معظم المسؤولين الأوروبيين في جدية موقف موسكو التفاوضي. وفي هذا السياق، ينقل موقع «يورونيوز» عن دبلوماسي أوروبي سؤالاً استنكارياً: «هل ترون أي استعداد لدى الجانب الروسي للانخراط في مفاوضات جدية؟» ثم يجيب: «أنا لا أرى ذلك، وحكومتي لا ترى ذلك. وإذا كان الروس مستعدين فعلاً للانخراط بجدية فمن الواضح أن الاتحاد الأوروبي سيلعب دوره».
حرص أوروبي على مبادئ واضحة وتجنب أخطاء الماضي
الأوروبيون يتابعون بحذر المحاولات الدبلوماسية التي جرت حتى الآن بشأن حرب أوكرانيا، والتي لم تحقق تقدماً ملموساً، ويؤكدون أنهم لا يرغبون في رؤية مبعوثهم يدور في الحلقة المفرغة نفسها. ولهذا، يصر مسؤولون ودبلوماسيون في بروكسل على أن يستند أي مسار تفاوضي إلى مجموعة واضحة ومتفق عليها من المبادئ والقواعد والخطوط الحمراء، بما يمنع تشتت المواقف الأوروبية ويعزز دعم أوكرانيا بدلاً من تقويضه. وينقل موقع صحيفة «يورونيوز» عن دبلوماسي أوروبي آخر قوله: «لا يمكن أن نتنازل منذ البداية، فطريقة انتهاء هذه الحرب ستكون لها تداعيات على أوروبا بأسرها».
في هذا السياق، تعمل الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، التي سبق أن حذرت من أن التكتل يجب ألا «يُذل نفسه» بالسعي إلى محادثات مباشرة، مع وزراء الخارجية على تضييق فجوة الخلافات بين الدول الأعضاء، تمهيداً لإعداد قائمة بالشروط والتنازلات التي يتوقع الأوروبيون من موسكو الالتزام بها. وتبقى اتفاقيتا مينسك (2014 و2015) الموقعتان برعاية ألمانية فرنسية لإنهاء الحرب في دونباس حاضرة في الأذهان كنموذج يسعى الأوروبيون إلى تجنبه بأي ثمن. والمفارقة أن موسكو كذلك تستشهد بالاتفاقيتين وتعتبر أن الأوروبيين استخدموهما لخداع موسكو وإعادة تسليح أوكرانيا استعداداً للحرب. وإذا كان الأوروبيون حريصين على مسار تفاوضي جديد يستند إلى مجموعة واضحة ومتفق عليها من المبادئ والقواعد والخطوط الحمراء، فإن لدى موسكو حرصاً ممزوجاً بالحذر تجاه هذا المسار التفاوضي.



