اقتصاد

خبراء: التنويع الاقتصادي يحمي الإمارات من تداعيات التوترات الإقليمية ويدفع النمو رغم الأزمات

خبراء: التنويع الاقتصادي يحمي الإمارات من تداعيات التوترات الإقليمية ويدفع النمو رغم الأزمات

يقول المثل العربي الدارج «يا جبل ما يهزك ريح»، بتلك العبارة وصف محللون وخبراء اقتصاديون نجاح الاقتصاد الإماراتي في مواصلة النمو السنوي للناتج المحلي خلال النصف الأول من العام الجاري 2026، رغم كل التحديات التي عصفت بالمنطقة جراء التوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية. وأكدوا أن الحفاظ على الاستمرارية – حتى بشكل طفيف – في أوقات الأزمات يعد عبوراً ناجحاً للتحديات.

بيانات النمو الرسمية: الناتج المحلي يتجاوز 961 مليار درهم

وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدولة الإمارات 961.9 مليار درهم بالأسعار الثابتة خلال النصف الأول من عام 2026، مسجلاً نمواً بنسبة 0.4 % مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وفي الوقت نفسه، نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 1.8 %، لترتفع مساهمته إلى 79.2 % من الاقتصاد الوطني، مقارنة بنسبة 78.1 % خلال الفترة ذاتها من العام السابق. كما أظهرت البيانات أن مساهمة الأنشطة غير النفطية ارتفعت إلى 79.2 %، فيما بلغت مساهمة الأنشطة النفطية 20.8 %.

وسجلت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين أعلى معدلات النمو بين الأنشطة الاقتصادية خلال النصف الأول من عام 2026، بنسبة 14.8 %، تلتها أنشطة المعلومات والاتصالات بنسبة 7.3 %، ثم أنشطة الصحة والخدمات الاجتماعية بنسبة 6 %، وأنشطة التشييد والبناء بنسبة 5.1 %، وأنشطة الحكومة بنسبة 3.6 %، فيما سجلت الأنشطة العقارية نمواً بنسبة 2.3 %. ومن حيث المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، تصدرت أنشطة التجارة بنسبة 16.2 % (نمو 0.6 %)، تلتها الأنشطة المالية وأنشطة التأمين بنسبة 15.2 % (نمو 8.5 % مقارنة بحصة 14 % في نفس الفترة من 2025). وحقق قطاع التشييد والبناء ارتفاع حصته المساهمة إلى 13.1 % بنمو 11 %، فيما نمت حصة الأنشطة العقارية بشكل طفيف من 7.8 % إلى 7.9 %.

خبراء: سياسات التنويع الاستباقية درع واقٍ للاقتصاد

أكد الخبراء والمحللون أن النمو لم يعكس مجرد نسبة مقارنة سنوية، بل ألقى الضوء على نجاعة سياسات التنويع التي طبقها الاقتصاد المحلي، والتي دفعت القطاعات القيادية لتعظيم دورها في دعم الرافد الاقتصادي وتعويض أي فجوات انعكست على القطاعات المتأثرة بالأزمة. وأظهر أداء القطاعات البديلة تسارعاً واضحاً، إذ أسهم بنمو ناتجها المحلي بفارق يقارب الضعف في قطاعات نشطة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وأشاروا إلى أن امتلاك الإمارات رؤية اقتصادية عشرية واضحة ضمن توجهاتها الاستراتيجية طويلة المدى يعزز قدرتها على التخطيط الاستباقي، وتنويع القطاعات الإنتاجية، واستدامة الاستثمارات، والتعامل بكفاءة مع التحولات الاقتصادية المستقبلية بعيداً عن الحلول المؤقتة.

وأوضح المحلل المالي الدكتور عبد الله القمزي أن نجاح الدولة في إثبات مرونة اقتصادية عالية خلال النصف الأول من 2026 يعود إلى متانة الهيكل الاقتصادي، حيث استحوذ القطاع غير النفطي على 79.2 % من الناتج المحلي بنمو حقيقي 1.8 %. وأرجع هذا الأداء المتميز إلى عدد من القطاعات الحيوية، في مقدمتها الأنشطة المالية والتأمين بفضل المصدات المصرفية القوية، وقطاع المعلومات والاتصالات استناداً إلى تسارع التحول الرقمي، إضافة إلى نمو القطاع الصحي واستمرار زخم التشييد والبناء. وأكد أن الاستراتيجية الاقتصادية نجحت في تأسيس قاعدة تنويع صلبة تعمل كصمام أمان ضد التقلبات الخارجية.

وقال الخبير الاقتصادي محمد الجابري إن نتائج النصف الأول تشير إلى أهمية التنويع في دعم مرونة الاقتصاد، وتتضح أهميته في تفاوت أداء القطاعات، إذ نمت الأنشطة المالية بنسبة 14.8 % والمعلومات والاتصالات بنسبة 7.3 %، مما يؤكد قدرة قطاعات مختلفة على إسناد النشاط الاقتصادي عندما تتعرض قطاعات أخرى للضغط. وأضاف أن متانة الاقتصاد تتعزز بقدرة المؤسسات على الاستجابة للمتغيرات، مشيراً إلى أهمية وضوح التشريعات واستقرار الإجراءات وإمكانية التخطيط طويل المدى للمستثمرين. وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق التنويع عبر توسيع الإنتاج المحلي وتنمية الخدمات القائمة على المعرفة وتعزيز فرص الشركات الصغيرة والمتوسطة.

آراء متطابقة حول قوة التكيف المؤسسي والتشريعي

رأى الخبير الاقتصادي أحمد الدرمكي أن النمو الذي حققه الناتج المحلي يعكس قوة الاقتصاد الوطني وقدرته على التكيف مع التحديات الجيوسياسية، مؤكداً نجاح الدولة في بناء منظومة اقتصادية متنوعة ومرنة قادرة على امتصاص الصدمات. وأشاد بالرؤية الاستشرافية للقيادة التي تستبق التحديات عبر استراتيجيات بعيدة المدى ترتكز على تنويع مصادر الدخل وتعزيز الأمن الاقتصادي. وأضاف أن التكامل المؤسسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يشكل ركيزة مهمة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، مما يدعم سرعة الاستجابة ويعزز ثقة المستثمرين. وتوقع أن يبقى الاقتصاد الإماراتي متيناً وقادراً على مواجهة التحديات مستنداً إلى حكمة القيادة وتكامل المؤسسات وقوة المنظومة التشريعية.

وتحدث المحلل المالي وضاح الطه عن نجاعة منظومة التطوير التي شهدها الاقتصاد، والتي أسهمت في رفع مرونته لتقليص تأثيرات التداعيات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن البيانات الرسمية تظهر استمرارية النمو رغم الظروف. وأشار إلى التوقعات الارتدادية القوية من المؤسسات المالية الدولية والمحلية، والتي تتراوح ما بين 8 % و11 % للعام المقبل، مؤكداً أن هذه التوقعات تستند إلى رؤية متكاملة نحو تنويع الاقتصاد، مع بنية تحتية قوية واستقرار سياسي وتشريعي يحمي الاستثمارات الأجنبية. وأوضح أن القطاعات غير النفطية التي تشكل نحو 80 % من الناتج المحلي تصنع درعاً يجعل الإمارات أقل تأثراً بالصدمات النفطية والتوترات الإقليمية.

وبيّن الخبير الاقتصادي أحمد القبيسي أن تجربة الإمارات في إدارة الأزمات والتكيف مع المتغيرات تعكس قوة المؤسسات التي لا تمنع الأزمات بقدر ما تسرع في الاستجابة لها واحتواء آثارها. وأشار إلى أن ديناميكية الاقتصاد ومرونة الأنشطة وتكاملها تعد من أبرز العوامل التي ساهمت في الحفاظ على استمرارية النمو، حيث تسارعت نسبة نمو القطاعات البديلة للنفط – كالتجارة والقطاع المالي والعقاري والإنشاءات – خلال فترة الأزمة، وعوضت حصص الأنشطة الأخرى، مما يعد دلالة نجاح لسير الاقتصاد الوطني بخطوات واثقة وأكثر استدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *