الرئيسيةاقتصادمؤشرات القطاع المصرفي الإماراتي تؤكد متانته...
اقتصاد

مؤشرات القطاع المصرفي الإماراتي تؤكد متانته رغم الاضطرابات الاقتصادية

19/07/2026 23:00

أظهرت بيانات القطاع المصرفي في الإمارات منذ مطلع العام الحالي 2026 قدرة واضحة على الصمود في وجه التوترات الاقتصادية، مع استمرار تسجيل معدلات نمو مرتفعة. وتمكنت البنوك العاملة في الدولة من زيادة محفظة أصولها بنحو تريليون درهم خلال اثني عشر شهراً حتى نهاية أبريل الماضي، ليقترب إجمالي أصولها من 6.5 تريليون درهم، متجاوزة بذلك مختلف التقلبات.

مؤشرات القوة: الأصول والسيولة والملاءة

أوضح خبراء في المجال المالي والمصرفي أن عدة مؤشرات رئيسية تعكس بوضوح متانة القطاع المصرفي المحلي، أبرزها قوة الأصول المملوكة للمصارف العاملة، وارتفاع معدلات السيولة النقدية التي تمنح مرونة واسعة للتعامل الفوري مع المتغيرات، فضلاً عن الاحتياطيات المالية الكبيرة التي يستند إليها القطاع. وتسهم هذه العوامل في تعزيز النظرة الإيجابية وثقة المؤسسات العالمية والمستثمرين، بما في ذلك البنوك الأجنبية، في القطاع المصرفي بالدولة.

وأشاروا إلى أن القطاع المصرفي المحلي يتمتع بجاذبية كملاذ آمن يوفر قنوات مربحة للمدخرات ورؤوس الأموال، وفي المقابل يمنح مساحة واسعة للتمويلات تضمن استقرار وتوسع بيئة الأعمال والاقتصاد المحلي. كما انخفضت نسبة القروض المتعثرة لتستقر عند مستويات منخفضة تعزز ثقة المستثمرين والمودعين في استقرار البنوك.

وأضاف الخبراء أن النموذج المصرفي الإماراتي نجح في الحد من تأثيرات التوترات الجيوسياسية الإقليمية التي ألقت بظلالها على معنويات السوق عالمياً، بل أصبح بمثابة صمام أمان واضح لاستمرار نشاط القطاعات غير النفطية مثل التجارة والخدمات اللوجستية والخدمات المالية والتصنيع والسياحة، مما يسهم في دفع عجلة النمو. وتشير التوقعات الرسمية إلى نمو مستمر في الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، بما يتماشى إلى حد كبير مع التوقعات السابقة للأزمة. وتستفيد الإمارات من الميزانيات العمومية الحكومية القوية والمرونة في السياسات المصرفية للحفاظ على زخم النمو حتى في فترات التقلبات.

زخم السيولة ودورها في تقليص المخاطر

تلعب السيولة الحرة دوراً كبيراً في تقليص التقلبات الائتمانية وتوفير بيئة تمويلية محفزة ومنخفضة المخاطر، مما يحقق ملاءة تدعم القطاعات غير النفطية، ولا سيما مشاريع البنية التحتية والعقارات المستدامة والتكنولوجيا المتقدمة. كما تمنح المستثمرين ورجال الأعمال في الداخل والخارج رسالة طمأنينة بأن الاقتصاد يرتكز على قاعدة مالية صلبة تضمن استمرارية الزخم والفرص السوقية.

وتكشف معدلات السيولة في القطاع المصرفي حتى شهر أبريل الماضي عن كفاءة الخطط التشغيلية في إدارة السوق ونجاعة سياسات الحذر التي تطبقها البنوك المحلية، مما يضمن لها التحرك المرن والفوري في مواجهة الضغوط المالية استناداً إلى الملاءة المالية المرتفعة وكفاءة أدوات السياسة النقدية في إدارة المعروض النقدي، لتوفير بيئة مالية مستقرة وجاذبة للاستثمارات.

وبلغ حجم السيولة المتاح تحت التصرف الفوري للبنوك متوسط 160 مليار درهم، بخلاف الاحتياط الإلزامي، مما يمثل أداة تمنحها خيارات لدعم قنوات الاقتصاد المختلفة عبر القروض أو الاستثمارات قصيرة الأجل.

وأكد الخبير المصرفي أمجد نصر أن معدلات السيولة المرتفعة تعكس امتلاك القطاع المصرفي صمامات أمان متينة قادرة على امتصاص الصدمات المالية الخارجية، وتحفظ استمرارية دوره الفعال في حركة النمو عبر تمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى دون مواجهة أي ضغوط استناداً لملاءته النقدية. كما أن السياسات الناجعة للحفاظ على مستويات سيولة متوقعة بأدنى هامش للتغير يحقق رؤية مستقرة طويلة الأجل تمكن البنوك من رسم سياسات الائتمان بدقة كبيرة مع الحفاظ على مستويات فائدة وتسعير رسوم قروض تنافسية، بما يحقق كلفة تمويل ملائمة لقطاع الأعمال تتلاءم مع توجهات السوق.

تراكم الأصول ونمو الودائع

وأضاف نصر أن النمو الواضح الذي تشهده محفظة الأصول والاستثمارات الخاصة بالبنوك في وقت تتعرض فيه الاقتصادات المالية الدولية لانعكاسات واضحة نتيجة التوترات السياسية ليس علامة على متانة القطاع الإماراتي كأحد أكبر الأجهزة المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فحسب، بل يشير لأمور أساسية عدة، منها النمو الاقتصادي القوي للدولة وزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتوسع الأعمال التجارية والمشاريع الكبرى، وزيادة ثقة العملاء حيث يعبر ارتفاع حجم الودائع عن زيادة ثقة الأفراد والشركات في كفاءة وسلامة الجهاز المصرفي الإماراتي. كما يدلل على توسع المصادر التمويلية وزيادة الإقبال على التمويل لتمويل الأنشطة الاستهلاكية والاستثمارية ودعم مشاريع البنية التحتية.

وقفزت أصول بنوك الإمارات بنحو 850 مليار درهم على مدار عام، حيث تخطت أصول المصارف العاملة في الدولة شاملة شهادات القبول المصرفية 5.57 تريليون درهم نهاية أبريل من العام الجاري. وواصلت البنوك العاملة في الدولة البالغ عددها 63 بنكاً رؤيتها نحو تعزيز قاعدة ممتلكاتها، وأضافت 350 مليار درهم كأصول خلال الشهور الأربعة الأولى من العام الجاري بمفردها. فيما تجاوز رصيد استثمارات البنوك الوطنية والأجنبية العاملة في الدولة 921 مليار درهم نهاية أبريل، مقارنة بـ 774 مليار درهم نهاية أبريل من العام الماضي.

ثقة عالمية واحتياطيات قوية

ومقابل هذه المتانة والملاءة المالية الواسعة، يحظى القطاع المالي والمصرفي في الإمارات بثقة عالمية واضحة تظهرها النظرة الإيجابية للمؤسسات الائتمانية الدولية نحو تصنيف البنوك الإماراتية. ويحدد خبير القطاع المالي وضاح الطه عدة عوامل تستند إليها تلك المؤسسات في التصنيف العالي الذي منحته للبنوك الإماراتية، على رأسها مدى احتياطيات النقد الأجنبي والاحتياطيات المالية الأخرى.

ونمت الاحتياطيات الدولية الأجنبية لدى المصرف المركزي من 952 مليار درهم لتتخطى التريليون درهم حتى نهاية أبريل الماضي، معبرة بشكل واضح عن قوة الأصول الخارجية. فيما يحافظ المركزي على مستوى مرتفع من رصيده الاحتياطي من الذهب عند ما قيمته 44.9 مليار درهم في شهر أبريل من العام الجاري، بنمو يزيد على 8.7 مليار درهم مقارنة برصيده في الفترة نفسها من العام الماضي.

وتشمل العوامل أيضاً انخفاض مستويات الدين الحكومي ومعدل حصة الفرد من الناتج المحلي. وتظهر الملاءة المالية للأفراد قوتها في حجم التحويلات المالية التي تتم من خلال النظام المصرفي الإماراتي، حيث سجلت قيمة ناهزت 3.7 تريليون درهم بحصة 39% من إجمالي التحويلات خلال الشهور الأربعة الأولى عبر نظام تحويل الأموال الإماراتي التابع للمصرف المركزي، والتي بلغت 9.4 تريليون درهم بنمو تجاوز 25% بأكثر من 1.9 تريليون درهم إضافية مقارنة بحجم التحويلات التي تمت في الفترة نفسها من العام الماضي. وكانت التحويلات بين البنوك صاحبة الحصة الأكبر من إجمالي التحويلات في الشهور الثلاثة الأولى من 2026 بنسبة 61% بقيمة تخطت 5.7 تريليون درهم.

استقرار الأنشطة وجودة الأصول

من جانبه، أشار الخبير المالي أحمد الدرمكي إلى أن القطاع المصرفي في الإمارات يتمتع بمتانة مالية ملائمة تستطيع تحمل أي ضغوط ناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط. وهو ما عكسه انتظام واستقرار العمليات المصرفية في الإمارات وأنظمة الدفع والبنية التحتية المالية الوطنية منذ بدء التوترات الإقليمية. كما أن كفاية رأس المال والسيولة تدعم ذلك، حيث إن نسبة تغطية السيولة التي تلامس 110% والتمويل والسيولة نقطة قوة تصنيفية للبنوك في مواجهة السحوبات الكثيفة وضغوط التمويل.

وأوضحت البيانات أن الرصيد التراكمي للائتمان المصرفي وصل إلى ما يتجاوز 2.72 تريليون درهم بنهاية أبريل الماضي بنمو شهري قدره 0.9% مدفوعاً بنمو الائتمان المحلي بقيمة 18.5 مليار درهم. في المقابل، أثبتت مصارف الدولة جاذبية واضحة كملاذ آمن للمدخرات والثروات، وهو ما تعكسه استمرارية حركة الودائع بالنمو رغم التوترات الإقليمية.

وظلت القنوات المصرفية أحد أهم الأدوات الربحية واستثمار المدخرات ورؤوس الأموال في السوق المحلي سواء بالدرهم الإماراتي الذي عززت مستوياته الثقة الواضحة في العملة الوطنية، أو بالعملة الأجنبية التي تقدم مرونة مضافة ومباشرة للشركات لتغطية التزاماتها وأنشطتها الدولية. وتجاوز رصيد الودائع المصرفية في الإمارات 3.46 تريليون درهم بنهاية أبريل، مدفوعاً بنمو رصيد ودائع المقيمين لتتخطى 3.16 تريليون درهم مع ثبات رصيد ودائع غير المقيمين عند 307 مليار درهم، لتعكس المؤشرات ثقة كبيرة في القطاع المصرفي.

وقفز رصيد الودائع بالعملة الأجنبية في البنوك الإماراتية إلى ما يوازي 874 مليار درهم بنهاية أبريل 2026، ويعكس زيادة الودائع بالعملات الأجنبية قوة القنوات الادخارية والاستثمارية المربوطة بالعملات العالمية التي تحمي الأصول وتوفر عوائد مستقرة ضد التقلبات الاقتصادية. كما تحافظ على سيولة واضحة من العملة الأجنبية داخل البنوك الوطنية تعزز الثقة في مستويات الأمان والملاءة المالية العالية وقدرتها على توفير بيئة تشغيلية مستقرة بعيدة عن التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.

وتحدث الخبير المالي أحمد علي عن أحد أهم مؤشرات متانة القطاع وهو نسبة انخفاض القروض المتعثرة، والذي يعد انعكاساً حقيقياً لقوة ومتانة المصارف الإماراتية من خلال إيضاح جودة الأصول المصرفية وزيادة قدرة البنوك على إدارة المخاطر، ما ينعكس إيجاباً على أدائها العام. وطبقاً لبيانات المصرف المركزي، فقد انخفض رصيد القروض المتعثرة خلال العام الماضي بنسبة 16%، بينما انخفضت نسبة القروض المتعثرة بشكل عام بنسبة 3.3%.

البنوك الأجنبية ودورها في السوق

في المقابل، ساهمت متانة القطاع المصرفي الإماراتي في تعزيز قدرة 38 بنكاً أجنبياً تعمل في الدولة على الاحتفاظ بحجم أصولها عند رصيد تراكمي بلغ 571 مليار درهم بنهاية شهر أبريل من العام الجاري وبحصة تتجاوز 10% من إجمالي الأصول المصرفية. كما وصل الرصيد التراكمي لاستثمارات البنوك الأجنبية العاملة في الدولة بنهاية أبريل إلى 65 مليار درهم، وتركزت تلك الاستثمارات وفق أنماط الاستثمار في سندات الدين ثم أنشطة السندات المحفوظة.

فيما استقر حجم الودائع المصرفية في البنوك الأجنبية عند رصيد تراكمي 358 مليار درهم، حيث إن البنوك الأجنبية محتفظة نسبياً بجاذبيتها في السوق المحلي كقناة استثمارية فعالة لودائع المستفيدين، وظلت على نمو 8% على أساس سنوي مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025 والبالغ 331 مليار درهم.

وأوضحت بيانات المركزي نشاطاً تدريجياً في حركة منح التمويلات والتسهيلات الائتمانية من البنوك الأجنبية لشرائح المستفيدين، ووصل الرصيد التراكمي للتمويلات من جانب تلك البنوك إلى 200 مليار درهم مستحوذة على حوالي 7.3% من إجمالي الرصيد التراكمي للائتمان المصرفي الممنوح في الدولة بنمو 12.2% على أساس ربع سنوي. حيث منحت البنوك الأجنبية حوالي 12 مليار درهم خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري كتمويلات جديدة للمستفيدين من قطاعي الأعمال والأفراد، وزادت التمويلات الجديدة خلال تلك الفترة الجارية بنحو 50% نمواً عن التمويلات التي منحتها على مدار العام الماضي كاملاً، والذي بلغ حوالي 8.3 مليار درهم.

وساهمت تلك المتانة في تعزيز خطط البنوك لاعتماد حزم من التسهيلات الائتمانية للأفراد ولقطاع الأعمال وأصحاب المشاريع، ضمت في مقدمتها تأجيل الاستحقاق الزمني للقروض وخفض الفوائد وإعفاءات الرسوم. وذلك لتسهيل الحياة اليومية وتعزيز قدرة الأعمال المرنة على تخطي متغيرات السوق والأوضاع الاقتصادية في ظل قوة ملاءة البنوك استناداً إلى السياسات المرنة التي لا يقتصر تأثيرها على الضخ المباشر للسيولة بل أسهمت أيضاً في إعادة توجيه الموارد داخل البنوك وتقليل القيود على استخدام رأس المال.

التحول نحو المستقبل الرقمي

على صعيد آخر، يتمتع القطاع المصرفي بمؤشرات عالمية في سلاسة وتطور الخدمات. فوفق مؤشرات اتحاد المصارف، ما زالت الإمارات تحتفظ بصدارتها عالمياً في جاذبية الخدمات المصرفية، حيث تظهر مؤشرات مبدئية وجود فارق ملحوظ بين السوق المحلي وأقرب الأسواق تطوراً على صعيد تطور وانتشار الخدمات المصرفية. كما أن معدلات استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية عالية جداً في السوق المحلي، وهو ما سيسهم في تعزيز الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، الذي بات تطوراً يفرض نفسه أمام عملاء القطاع.

ومن المنتظر أن يسهم الذكاء الاصطناعي عبر منظومات البنوك في تعزيز تجارب العملاء، حيث سيضع معايير موحدة للتعامل مع العملاء دون عوامل شخصية قد تؤثر على القرارات. وأشار الخبراء إلى أن التشريعات المنظمة والتوجيهات الخاصة، وفي مقدمتها الصادرة عن المصرف المركزي، تزيد من جاذبية الاستخدام بما يعزز الفاعلية والانتشار. كما يقدم القطاع المصرفي في الإمارات تجربة تحولية واضحة نحو مستقبل البنوك، حيث يضم 4 بنوك رقمية في السوق المتطور الذي يحفز على قيام تلك النوعية من البنوك ويوفر لها الكثير من التسهيلات، كما أن البنوك التقليدية قادرة على التحول إلى بنوك رقمية عبر مراحل تدريجية من هيكلة الأنظمة الداخلية والربط بين التقنيات والعمليات المصرفية الاعتيادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *