الذكاء الاصطناعي يتوقع قرارات مديري الصناديق قبل تنفيذها في سوق الأصول

تواجه صناعة إدارة الأصول العالمية، التي تُقدَّر قيمتها بأكثر من خمسين تريليون دولار، مرحلة تحول جوهرية؛ إذ تُظهر الأبحاث الحديثة أن استراتيجيات التداول لغالبية مديري الأصول في الولايات المتحدة أصبحت قابلة للتوقع إلى حدٍ يسمح لنماذج الذكاء الاصطناعي بمحاكاتها بسهولة.
نتائج الدراسة واستباق التوجهات
في دراسة قادتها البروفيسورة لورين كوهين من كلية هارفارد للأعمال، توصل الباحثون إلى إمكانية التنبؤ بنسبة 71 % من قرارات مديري الصناديق الاستثمارية – سواء كانت شراءً أو بيعاً أو احتفاظاً بالأسهم – خلال ربع مالي معين، دون أن تُنفّذ خوارزمية الذكاء الاصطناعي أي صفقة فعلية. وأظهرت النتائج أن المديرين الذين سُهِل توقع سلوكهم قدموا أداءً أقل من زملائهم، بينما تفوّق أولئك الذين اتخذوا قرارات غير نمطية ومبتكرة.
دوافع التحول إلى الذكاء الاصطناعي
تدعم هذه المعطيات توجهات شركات الاستثمار لاستبدال بعض المهام التي يؤديها مديرو الصناديق حالياً بوكلاء الذكاء الاصطناعي، متأثرةً بضغط التكاليف المتزايد. وأوضحت كوهين أن القدرة على توقع الأسعار لا تزال خارجة عن نطاق الذكاء الاصطناعي، لكن سلوك البشر يمكن توقعه؛ فالاقتصاد السلوكي وعلم النفس يثبتان أن السلوك اليومي غالباً ما يُعادَ تكراره من تجارب سابقة.
منهجية البحث ومجموعة البيانات
اعتمدت الدراسة، التي حملت عنوان «تأثير المحاكاة في التمويل» (Mimicking Finance)، على بناء نموذج ذكاء اصطناعي حلل قواعد بيانات شاملة امتدت من عام 1990 إلى عام 2023، شملت حيازات صناديق الأسهم الأمريكية من قاعدة «Morningstar Direct» وبيانات اقتصادية صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي. شملت العينة الصناديق التي لا يقل عمرها عن سبع سنوات وتدير ما لا يقل عن عشرة حيازات.
مؤشرات التنبؤ وعوامل التأثير
توصل الباحثون إلى أن تحركات المديرين كانت قابلة للتنبؤ عبر جميع فئات الصناديق، مع أعلى نسب في صناديق الأسهم المتوسطة المختلطة حيث وصلت إلى 75 % في المتوسط. وأبرزت الدراسة ثلاثة مؤشرات رئيسية:
- الخبرة تسهّل التنبؤ: كان المديرون ذوو الخبرة الطويلة أكثر قابلية للتوقع مقارنةً بأقرانهم الأقل خبرة.
- حجم وعمر الصندوق: الصناديق الأقدم والأكبر حجماً أظهرت مستويات استجابة وتنبؤ أعلى من الصناديق الحديثة والصغيرة.
- تعدد المهام: المديرون المسؤولون عن إدارة عدة صناديق في آن واحد سجلوا مستويات تنبؤ أعلى بكثير من الذين يركزون على صندوق واحد.
وعلى الرغم من هذه الأرقام، لم تُسدل الدراسة ستاراً كاملاً على دور الإنسان؛ إذ بينت أن مديري الصناديق الذين اتسمت استراتيجياتهم بالمرونة وأقل قابلية للتنبؤ تفوقوا باستمرار على أقرانهم، ما يؤكد استمرار الحاجة إلى الإبداع البشري في الأسواق.
العوائد المعدلة حسب المخاطر
عند قياس العوائد المعدلة حسب المخاطر، ظهر تباين واضح بين الفئتين:
- المديرون الأقل قابلية للتنبؤ حققوا عائداً إيجابياً معدلاً حسب المخاطر بنسبة 0.14 % في الربع الأول بعد التداول، وتزايد هذا العائد إلى 0.4 % بعد أربعة فصول متتالية.
- المديرون الأكثر قابلية للتنبؤ سجّلوا خسائر بلغت 0.09 % في الربع الأول، وتعمّقت إلى 0.42 % بعد أربعة فصول.
وأكدت كوهين أن تفوق الفئة المبتكرة لا يرتبط بارتفاع المخاطر، بل يعود إلى قدرة هؤلاء على اتخاذ «رهانات أفضل» وتوليد تفوق صافي في الأداء لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توقعه أو تعلمه.
تداعيات النتائج على قطاع إدارة الأصول
تُعَدّ هذه النتائج ذات أبعاد واسعة على قطاع إدارة الأصول في الولايات المتحدة، الذي يوظّف أكثر من 1.1 مليون شخص ويشتهر بأجوره المرتفعة واستقراره النسبي مقارنةً بالقطاعات المالية الأخرى. وللحفاظ على تنافسية الشركات والوظائف، اقترحت الدراسة مسارين رئيسيين:
- إعادة النظر في الأجور والتوظيف: يتوجب على دخول الذكاء الاصطناعي تعديل توازن الأجور، وطبيعة المهام، وحجم القوى العاملة المطلوبة، ما قد يعيد تشكيل مفهوم الوظيفة التقليدية.
- الاستثمار بطرق غير بديهية (معاكسة): نظراً لقدرة الذكاء الاصطناعي على تكرار قرارات التداول، يُنصح المديرون باتخاذ تدابير مستمرة لتعديل سلوكياتهم الاستثمارية، بهدف تقليل قدرة الآلات على استخراج الأنماط المتكررة وتحليل خطواتهم المستقبلية.
بهذا، تُظهر الدراسة أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أداة قوية للتنبؤ بسلوكيات السوق، إلا أن الإبداع والمرونة البشرية لا يزالان عنصرين أساسيين لضمان تحقيق عوائد مستدامة.



