تصعيد متواصل في الأزمة الأوكرانية يهدد جهود التسوية

تشهد الساحة الأوكرانية تصعيداً متواصلاً يطغى على أي محاولات دبلوماسية للوصول إلى حل، حيث تستمر حرب الاستنزاف على الأرض وتتكثف عمليات الطائرات المسيرة في ظل جمود المساعي السياسية.
الهجمات البعيدة المدى تتحول إلى استراتيجية رئيسية
في شهر يونيو المنقضي دخلت الحرب مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق بعد أن امتدت الهجمات المتبادلة إلى عمق أراضي كل من الطرفين. كثفت أوكرانيا استخدامها للطائرات المسيرة والصواريخ الطويلة المدى لاستهداف منشآت نفطية وعسكرية ومراكز اتصالات داخل روسيا، بما في ذلك أهداف قرب موسكو وسانت بطرسبورغ وشبه جزيرة القرم، سعيا لإرباك سلاسل الإمداد الروسية ونقل المعركة إلى الداخل الروسي.
من جهتها ردت روسيا بحملات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت مدناً أوكرانية عدة مثل دنيبرو وزابوريجيا وخاركيف وسومي، مستخدمة مزيجا من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقنابل الانزلاقية، ما أسفر عن سقوط dozens من القتلى والجرحى. حذرت كييف من أن موسكو تستعد لمواصلة الضربات الواسعة النطاق في الفترة المقبلة.
الردود المتبادلة وتوسيع دائرة الاستهداف
يجمع مراقبون على أن الشهر الأخير شكّل تحوّلا واضحا في طبيعة الصراع، إذ أصبحت الضربات البعيدة المدى جزءا أساسيا من استراتيجية الطرفين، فلم تعد الجبهة التقليدية وحدها مسرح العمليات، بل امتدت الضربات إلى مئات الكيلومترات داخل أراضي الخصم.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، أن هذه الهجمات تندرج ضمن سياسة الضغط المتبادل التي تحكم مسار الحرب منذ 2022، مؤكدا أن الصراع لم يعد محصورا في الجانب العسكري فقط، بل تحول إلى مواجهة سياسية واقتصادية واستراتيجية شاملة.
ويعتبر أن التصعيد الحالي يحمل طابعا انتقاميا بالدرجة الأولى، إذ يمثل رداً روسياً على الهجمات الأوكرانية التي استهدفت العمق الروسي خلال الأسابيع الماضية، ويضيف أن موسكو تسعى من خلال توسيع دائرة الضربات إلى استهداف مراكز صنع القرار السياسي والعسكري، وزيادة الضغوط على الاقتصاد الأوكراني، وإيصال رسائل ردع للدول الداعمة لكييف.
ويحذر بريجع من اتساع نطاق الأزمة خارج الحدود الأوكرانية، خاصة مع تكرار الحوادث المرتبطة بالطائرات المسيرة والاحتكاكات الأمنية في محيط البحر الأسود وأوروبا الشرقية، مشيرا إلى أن الحروب الحديثة باتت تعتمد بصورة متزايدة على الضربات البعيدة المدى والطائرات المسيرة، ما يرفع احتمالات المواجهات غير المباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
رؤية الخبراء نحو تسوية شاملة ومخاطر توسع الصراع
ويشدد الخبير الروسي على أن إنهاء الحرب يتطلب تسوية سياسية شاملة تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت، وتشمل معالجة الملفات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية العالقة، محذرا من أن غياب الحلول الجذرية قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة من الصراع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوترات الجيوسياسية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الأوروبية الأكثر تعقيدا منذ عقود.
ويعتقد خبير العلاقات الدولية الدكتور طارق البرديسي أن الموجة الأخيرة من التصعيد العسكري لا يمكن فصلها عن استراتيجية “حرب الأعصاب” واستنزاف القدرات التي يتبعها الطرفان منذ سنوات، لكنها تضاعفت خلال الأسابيع الأخيرة.
ويؤكد أن هذا الاحتدام الميداني يعكس محاولة كل طرف فرض شروطه وإظهار قدرته على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، بالتزامن مع تحركات دولية متباينة تهدف إلى إنهاء الأزمة.
ويضيف أن التصعيد الراهن يمكن اعتباره جزءا من “الدبلوماسية الخشنة”، حيث يسعى كل طرف إلى رفع سقف مطالبه وتحسين موقفه التفاوضي قبل أي جولة محتملة من المفاوضات.



