الرئيسيةعربي و عالميجزيرة ناورو تحلم بمجد إسبانيا الكروي...
عربي و عالمي

جزيرة ناورو تحلم بمجد إسبانيا الكروي رغم غياب منتخب وطني

01/08/2026 15:00

في دولة لا تملك منتخباً وطنياً لكرة القدم، بل تكاد لا تعرف اللعبة أساساً، يظل حلم التتويج بكأس العالم حلماً بعيد المنال، لكنه ليس مستحيلاً في نظر القائمين على اتحاد كرة القدم في ناورو. هذه الجزيرة الواقعة في المحيط الهادئ، والتي تُعد أصغر دولة جزرية في العالم، اجتاحتها حمى كرة القدم مؤخراً مثل أي مكان آخر، لكن حماسها تلاشى بمجرد رفع إسبانيا الكأس، لتختفي اللعبة تقريباً من المشهد.

حسب تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإن كرة القدم تكاد تكون معدومة في ناورو. لم يسبق للجزيرة أن شاركت بفريق في أي مباراة دولية رسمية، ولا تملك سوى ملعب واحد فقط، أرضيته من الرمال الصلبة. ورغم وجود اهتمام بمباريات الدوري الإنجليزي الممتاز وارتداء الأطفال قمصان نجوم مثل ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، فإن أي محاولة فعلية لممارسة اللعبة غالباً ما تواجه بالسخرية، باستثناء لعبة “كرة القدم الأسترالية” التي تجمع بين كرة القدم التقليدية والأمريكية والرغبي.

متطوعون يسعون للتغيير

لكن الأمور قد تبدأ في التغير ببطء، بفضل مجموعة من المتطوعين بقيادة تشارلي بومروي، وهو لاعب سابق في أكاديمية بريطانية. يسعى هؤلاء إلى إدخال اللعبة إلى هذه الدولة التي كانت يوماً ما أغنى دولة في العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل، لكنها الآن تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية وتعاني من واحد من أعلى معدلات السمنة في العالم.

وقد نشر اتحاد ناورو لكرة القدم منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي يهنئ فيه إسبانيا بلقب المونديال، معبراً عن حلم يقول: “نأمل يوماً ما أن نكون في موقع إسبانيا”. ورغم أن هذه الأمنية تبدو بعيدة المنال، فإن العمل التأسيسي جارٍ في بلد يوصف بأنه آخر دولة في العالم لم يسبق لها امتلاك منتخب وطني أول للرجال.

تحديات جغرافية وتاريخية

وضع الأسس للعبة في جزيرة شوهها التعدين المفرط حتى أصبحت أشبه بسطح القمر ليس بالأمر السهل. فقد حاولت ناورو تطوير كرة القدم سابقاً، لكن اللعبة لم تحقق رواجاً حقيقياً، واقتصرت أقرب محاولاتها لخوض مباراة دولية على مواجهات مع فريق للمغتربين من جزر سليمان عام 1994، وفريق للاجئين عام 2014.

تقع ناورو على بُعد 2500 ميل شمال شرقي أستراليا، وقد بنت ثروتها التاريخية على احتياطيات هائلة من الفوسفات تكونت عبر آلاف السنين من فضلات الطيور المتحجرة. كانت الجزيرة إقليماً تابعاً لأستراليا حتى استقلالها عام 1968، ثم تعرضت لتعدين مكثف في أواخر القرن العشرين، فنفدت المعادن وتركت البلاد التي كانت تُعرف باسم “الجزيرة السعيدة” منهكة، مع أجزاء واسعة من مناطقها الوسطى غير صالحة للسكن أو الزراعة.

هذا الوضع دفع معظم سكانها البالغ عددهم نحو 12 ألف نسمة إلى التجمع حول المناطق الساحلية في جزيرة لا تتجاوز مساحتها 21 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة تتقلص بفعل تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر. وتضطر البلاد لاستيراد أكثر من 90 في المئة من غذائها، معظمه أطعمة مصنعة، مما ساهم في أن 69 في المئة من السكان يعانون من السمنة، ونحو 40 في المئة مصابون بمرض السكري من النوع الثاني. ومن مصادر الدخل الرئيسة للبلاد حالياً مركز احتجاز المهاجرين الأسترالي الذي تستضيفه منذ سنوات.

الرياضة متنفس رغم الصعوبات

الحياة اليومية في الجزيرة صعبة، لذا تشكل الرياضة متنفساً مهماً للكثيرين. الرياضة المفضلة هي لعبة القواعد الأسترالية التي يمارسها 30 في المئة من السكان، كما تحظى ألعاب القوى ورفع الأثقال بشعبية، وقد شاركت ناورو فيهما في الألعاب الأولمبية. ومن المقرر أن تستضيف الجزيرة ألعاب ميكرونيزيا عام 2028، وهي فعالية رياضية متعددة الألعاب تشمل كرة القدم، مما يعكس رغبتها في تعزيز سمعتها الدولية من خلال الرياضة.

يقول تشارلي بومروي، المدير الفني لاتحاد كرة القدم في ناورو وأحد المتطوعين الثمانية: “إنهم يحاولون تغيير الصورة إلى الأفضل والمشاركة في المزيد من الرياضات. سكان ناورو يريدون أن يرى الناس البلاد بصورة أكثر إيجابية بدلاً من أن تكون مجرد موضع للسخرية”. ويضيف: “سواء كانت كرة القدم أو القواعد الأسترالية أو الرجبي أو كرة السلة أو الكريكيت أو رفع الأثقال، فإن مجرد المشاركة في بناء ناورو أكثر صحة هو أمر كافٍ”.

حملة كرات القدم والتحديات اللوجستية

يواجه المشروع تحديات عدة، أولها إيصال كرات القدم إلى الجزيرة. أطلق المتطوعون حملة لمنح كل طفل بين 4 و14 عاماً كرة قدم، أي نحو 2000 طفل تقريباً، ويعملون مع الكنائس والمدارس الـ11 في الجزيرة لتوزيعها. سيتم نقل الكرات جواً على دفعات، كل دفعة تضم 200 كرة، لتنظيم التوزيع وتجنب الهدر.

المحاولات السابقة لإدخال كرة القدم إلى ناورو ركزت على مباريات لمرة واحدة، بما في ذلك محاولة قبل عامين عندما عُيّن مهاجم الدوري الإنجليزي الممتاز السابق ديف كيتسون لقيادة مجموعة من 18 شخصاً من ناورو في مباراة بعد معسكر تدريبي استمر أسبوعين. كان من المقرر أن يواجهوا فريقاً من دوري الهواة في ريدينغ يُدعى إكس إل إف سي، لكن المباراة ألغيت لأسباب مالية.

يقول بومروي: “كان ديف كيتسون سيذهب، وكنت سأذهب أنا أيضاً، وكان الأمر سيكون رائعاً لبضعة أشهر، لكن ذلك يتطلب الكثير من المال. دعونا نرسخ ثقافة كرة القدم أو الرياضة في هذه الجزيرة ونساعدها على النمو، لأنها أمر مهم. دعونا نبني منظومة متكاملة لا مجرد مباريات عابرة”. ويضيف: “حلمي الشخصي هو أن تُلعب أول مباراة دولية في تاريخ ناورو بفريق مكوّن بالكامل من الشباب الذين يبلغون 18 عاماً، والذين مرّوا عبر نظامنا التدريبي”.

عندما يصل بومروي إلى الجزيرة في ديسمبر المقبل لإقامة معسكر تدريبي، سيؤسس برامج تدريب للاعبين والمدربين الطامحين لضمان استمرار الرياضة طوال العام. ويعتمد المشروع بشكل كبير على إيجاد أماكن للعب، فمعظم الأراضي إما ملكية خاصة أو غير صالحة للسكن. المتطوع تايرون ديييه يأمل في استخدام بعض أراضي عائلته لإنشاء ملاعب إضافية، إذ لا يوجد حالياً سوى ملعب وحيد ترابي مغطى بغبار الفوسفات. كما يشير إلى أن اللعب في ملاعب مغلقة قد يكون خياراً متاحاً.

يؤكد بومروي أن اتحاد ناورو لا يحاول “فرض كرة القدم على الجميع”، بل يتعلق الأمر بوضع أساس لرياضة ما وتعزيز أنماط الحياة الصحية وبناء المجتمعات. يقول: “الدروس الحياتية التي تتعلمها من خلال كرة القدم لا تقتصر على أرض الملعب، إنها تتعلق بالأصدقاء الذين تكوّنهم، وتعلمك التواضع، والاهتمام بجسدك، والنهوض عندما تسقط”. ويضيف: “إذا جلسنا هنا بعد خمس سنوات من الآن، فأنا أؤمن حقاً بأننا سنمتلك فريقاً أول للكبار مليئاً بلاعبين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 و20 عاماً، ثم بعد 20 عاماً، يأتي إليّ شخص من ناورو ويقول: لقد تغيّرت حياتي من خلال كرة القدم”.

تمارس دول أخرى في جزر المحيط الهادئ كرة القدم، وأحياناً يلعب مغتربون من هذه الدول في ناورو، لكن ديييه يقول إن السكان المحليين “يشاهدون المغتربين وهم يلعبون، لكنهم يضحكون عليهم لأنهم لا يفهمون اللعبة”. ويضيف: “يمتلك العديد من جزر المحيط الهادئ الأخرى فرقاً قوية جداً لكرة القدم، وهذا يمنحهم سعادة غامرة، وأريد أن تكون ناورو كذلك أيضاً”.

في العام الماضي، لعبت جزر مارشال أول مباراة دولية لها ضد جزر العذراء الأمريكية، وكانت هذه الدولة قد أعلنت سابقاً أنها آخر دولة في العالم لا تملك منتخب كرة قدم، لكن ناورو أيضاً كانت تطالب بهذا اللقب. وخلال جائحة كوفيد، حدث ارتباك عندما أُعلن عن وجود دوري محلي “مزيف” في ناورو، وكانت الخدعة مفصّلة للغاية حتى إنها تضمنت أسماء الفرق واللاعبين المسجلين.

أصبح لاتحاد ناورو لكرة القدم الآن موقع إلكتروني حقيقي يوضح خططه، ويبيع قمصان المنتخب الوطني لجمع الأموال. يأتي التمويل الرئيس من حملات جمع التبرعات، لكن تنظيمها صعب لأن المتطوعين يوازنون بين أعمالهم بدوام كامل واختلاف المناطق الزمنية. حتى التواصل بين أعضاء الفريق معقد، ففي بعض الأحيان لا يمكن الوصول إلى ديييه لبضعة أيام بسبب انقطاع الإنترنت بعد العواصف.

يختتم بومروي: “هذا المشروع لا يخلو من التحديات. سكان ناورو وُعِدوا بالكثير طوال تاريخهم لكنهم خُذلوا مرات عديدة، لذا موقفهم يميل إلى أن يكون: سنصدق عندما نرى. لكن ردود الفعل التي نحصل عليها تشير إلى أن الجميع متحمسون للغاية لهذا الأمر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *