راعي الأولي: عندما يكون المعروف أثمن من المال

الصديق الذي عرض راتبه
في عام 2012 عرض عليَّ صديقي أن يضع راتبه كله تحت تصرفي، معتبراً أن يكفيه خمسمائة درهم فقط، واستعد أن يسحب من بطاقته الائتمانية إن لزم الأمر. لم آخذ منه درهماً واحداً، لكنه أصرّ على القول: «لو أستطيع فعل أكثر لفعلت. الفلوس تروح وتيجي، بس إنت أخوي ولازم أقف معك».
معنى «راعي الأولي» وتأثيره
بعد أن خسرت في تجارة בעקבות وضع ثقتي في غير موضعها، جلست في مطعم أنتظر قدوم صديقي السوداني والعالم يدور بي، لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف أخرج من الخسارة. استمع صديقي لقصتي بالكامل، ثم قال ما ذكرنا. شكرته ودبرت أمري؛ لم يعرض عليَّ فائضاً، بل قدم ما يحتاجه هو نفسه، فالموقف لم يكن في المال الذي سيصل إليَّ بل في استعداده للتخلي عما هو بحاجته. وقد عبّر أهلنا عن ذلك بقولهم: «راعي الأولي ما ينلحق»، أي أن المعروف الأول يأتي حين تكون في أشد الحاجة، قبل أن تعرف كيف ستنتهي أزمتك.
كيف نردّ المعروف الذي لم نأخذه؟
نحن نجيد ردّ ما يصل إلى أيدينا؛ مالاً بمال، وخدمة بخدمة، لكن كيف نردّ شيئاً لم يأخذه أحد أصلاً؟ في إطار المعاملات المصرفية لم يتغير شيء، فلم يخرج المال من حسابه ولا دخل حسابي، أما في إطار المواقف فظلّ هذا الدين في ذمتي، غير ظاهر في أي كشف حساب. نروي خذلان شخص عشر مرات ثم نختصر معروفاً كهذا بكلمة شكراً فقط، ونحفظ الأرقام والخسائر والتواريخ بينما ننسى من جعل الأزمة أخف. والوفاء الحقيقي لا يقتصر على قول شكراً، بل على عدم نسيان صاحبه. من وقف معك قبل أن تطلب؟ إن كان حياً فلا تؤجل شكره. صديقي لم ينقذ تجارتي يومها، لكنه أعاد ثقتي بالناس.



