الرئيسيةعربي و عالميتفوق بوليفيا على أرضها: كيف يمنح...
عربي و عالمي

تفوق بوليفيا على أرضها: كيف يمنح الارتفاع ميزة هائلة لمنتخبها؟

يُعدّ عامل الأرض والجمهور من أهمّ عوامل التفوق في كرة القدم، غير أن منتخب بوليفيا يمتلك ميزة تتجاوز المفهوم التقليدي لأفضلية اللعب على أرضه، إذ تُظهر الأرقام أن نسبة فوزه في المباريات الرسمية المؤهلة لكأس العالم ترتفع بصورة هائلة عندما يخوض مبارياته على الملاعب البوليفية الواقعة على ارتفاعات شاهقة عن سطح البحر.

الارتفاع كعامل حاسم

تربط دراسات الرياضة والطب الرياضي هذه الظاهرة بالارتفاعات الاستثنائية التي تقع عليها الملاعب البوليفية، والتي تمنح اللاعبين المحليين أفضلية فسيولوجية واضحة على منافسيهم القادمين من مناطق منخفضة الارتفاع. ويشهد ملعب هيرناندو سيليس في لاباز، الذي يقع على ارتفاع يقارب 3637 متراً (11 932 قدمًا) فوق سطح البحر، تقليلًا كبيرًا لنسبة الأكسجين المتاحة للجسم مقارنة بالمناطق المنخفضة. وفي مثل هذه الظروف، يعاني العديد من الزوار من أعراض ما يُعرف بـ «داء المرتفعات الحاد»، مسببًا الصداع والدوار والإرهاق وضيق التنفس وفقدان الشهية والغثيان واضطرابات النوم نتيجة انخفاض الضغط الجوي وقلة الأكسجين.

أرقام تاريخية وتأثيرات

وبحسب معطيات التصفيات المؤهلة لكأس العالم، يبلغ معدل فوز المنتخب البوليفي على أرضه نحو 49%، مقابل 4% فقط في المباريات التي يخوضها خارج قواعده، ما يعني أن نسبة الفوز ترتفع بأكثر من 1125% عند اللعب داخل بوليفيا. وعلى الرغم من أن هذه النسبة لا تضع بوليفيا ضمن أقوى المنتخبات عالمياً، فإن المقارنة مع نتائجه خارج الأرض تكشف حجم التأثير الذي تمنحه البيئة الجغرافية للبلاد. فخلال فترة امتدت نحو ثلاثين عاماً، عجز المنتخب البوليفي عن تحقيق أي انتصار خارج أرضه في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، بينما تمكن على أرضه من تحقيق نتائج لافتة، من بينها الفوز على منتخب البرازيل بنتيجة 2‑1 عام 2009.

ردود فعل المنافسين وتدخل الفيفا

لطالما أثارت المباريات التي تُقام في المرتفعات البوليفية جدلاً واسعاً داخل كرة القدم في أمريكا الجنوبية، حيث اشتكت عدة منتخبات وأندية من صعوبة اللعب في ظروف تعاني فيها الأجسام من نقص الأكسجين. وفي عام 2017، وصف النجم البرازيلي نيمار اللعب في تلك الظروف بأنه «غير إنساني»، مشيراً إلى أن الارتفاع يشكل تحدياً كبيراً للاعبين، وظهرت صور للاعبي البرازيل وهم يستخدمون أسطوانات الأكسجين عقب المباراة. وقد دفع الجدل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إلى التدخل عام 2007، عندما قرر منع إقامة المباريات الدولية على ارتفاعات تتجاوز 2500 متر (8200 قدم) فوق سطح البحر، وذلك بعد شكاوى متكررة من أندية ومنتخبات لعبت في تلك الظروف. وجاء القرار بعد اعتراضات بارزة من نادي فلامينجو البرازيلي، الذي أكد أن لاعبيه احتاجوا إلى دعم بالأكسجين خلال إحدى المباريات التي أقيمت في المرتفعات. لكن القرار أثار موجة رفض واسعة في بوليفيا، حيث اعتبر الرئيس البوليفي آنذاك إيفو موراليس أن الحظر يستهدف بلاده ويقوض مبدأ المساواة في الرياضة. وانضم أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييجو مارادونا إلى حملة الاعتراض على القرار، مؤكداً أن من حق المنتخبات اللعب في المدن التي تعيش فيها. وأمام الضغوط القادمة من دول أمريكا الجنوبية، تراجع الفيفا عن موقفه، فرفع الحد المسموح به أولاً إلى 3000 متر (9843 قدمًا)، قبل أن يعلق الحظر بالكامل في وقت لاحق.

استمرار الاستفادة والجدل الحالي

ولم تكتف بوليفيا بالحفاظ على ميزة الارتفاع، بل انتقلت لاحقًا إلى ملعب أكثر ارتفاعاً، حيث أصبح المنتخب يستضيف مبارياته الرسمية على ملعب إلتو البلدي في مدينة إل ألتو، الواقع على ارتفاع يصل إلى 4150 متراً (13 615 قدمًا) فوق سطح البحر، ليصبح أحد أعلى الملاعب الدولية المستخدمة في كرة القدم العالمية. وتدافع بوليفيا عن موقفها بشعار بات معروفاً في البلاد: «نلعب حيث نعيش»، مؤكدة أن لاعبيها لا يستفيدون من أي مخالفة للوائح، بل يمارسون كرة القدم في البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها. ورغم امتلاك البلاد مدناً أقل ارتفاعاً مثل سانتا كروز دي لا سييرا، التي تقع على ارتفاع يقل عن 500 متر فوق سطح البحر وتضم أكبر ملعب في البلاد، فإن الاتحاد البوليفي يواصل الاعتماد على الملاعب المرتفعة، مستفيداً من أفضلية طبيعية لا تحظرها أي قوانين أو لوائح دولية حالياً. وبينما يستمر الجدل حول عدالة اللعب في هذه الظروف، تبقى الحقيقة الثابتة أن الارتفاعات الشاهقة في بوليفيا منحت منتخبها الوطني واحدة من أكثر أفضلية الأرض تأثيراً في كرة القدم العالمية، وجعلت التنفس نفسه جزءاً من المنافسة داخل المستطيل الأخضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *