الرئيسيةاقتصادأسواق السندات العالمية تشهد أشرس تقلبات...
اقتصاد

أسواق السندات العالمية تشهد أشرس تقلبات منذ عشرين عاماً وعوائد أمريكا تقفز قياسياً

05/09/2026 19:00

تشهد أسواق السندات في مختلف أنحاء العالم واحدة من أعمق وأعقد موجات الاضطراب منذ نحو عشرين عاماً، بعد أن سجلت عوائد الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مستويات تاريخية غير مسبوقة، تصدرتها القفزات الحادة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية. وتأتي هذه الهزات في وقت تتصاعد فيه حدة التوتر بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، حيث يضغط الرئيس دونالد ترامب بقوة على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة بهدف دعم النمو الاقتصادي وتخفيف أعباء الديون.

معضلة الفيدرالي بين الضغوط السياسية وواقع السوق

تصطدم هذه المطالب السياسية بواقع اقتصادي صعب تفرضه سوق السندات. فارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، الذي تغذيه مخاوف التضخم الناجمة عن صعود أسعار النفط فوق 92 دولاراً للبرميل بسبب التصعيد الجيوسياسي مع إيران، إلى جانب تزايد عجز الموازنة الأمريكية وتجاوز الدين العام حاجز 40 تريليون دولار، يدفع الفيدرالي والأسواق إلى السير في الاتجاه المعاكس تماماً. وتتصاعد احتمالات الامتناع عن خفض الفائدة أو حتى رفعها لكبح الضغوط التضخمية وتلبية مطالب المستثمرين الذين يطالبون بعلاوة مخاطر أعلى.

مناورة “تويست مصغرة” لامتصاص صدمة الديون

ولمواجهة تمرد سوق الديون وتخفيف الضغط على العوائد الطويلة، لجأت وزارة الخزانة الأمريكية بالتنسيق مع تحركات الفيدرالي الميدانية إلى تطبيق مناورة مالية تعرف باسم “عملية تويست مصغرة”. وتتضمن هذه العملية توسيع نطاق إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل (من 10 إلى 30 عاماً) بمبالغ تتجاوز 4 مليارات دولار للعملية الواحدة، مع تمويل ذلك عبر إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل. وتهدف هذه الخطوة إلى امتصاص المعروض الضخم من السندات طويلة الأجل، وزيادة أسعارها تلقائياً لتقليص عوائدها والسيطرة على المنحنى. غير أن خبراء استثمار الدخل الثابت في مؤسسات كبرى مثل “تي. رو برايس” و”بي سي إيه ريسيرش” يرون أن هذه الخطوة لا تعدو كونها مسكناً مؤقتاً لسيولة السوق؛ فهي تعيد ترتيب هيكل الدين بدلاً من خفضه، ولا تعالج أصل المشكلة المتمثل في العجز المالي المستمر وغياب خطة موثوقة للسيطرة على الدين الفيدرالي.

تداعيات عالمية: اليابان وأوروبا تحت الضغط

امتدت شرارة هذه الأزمة من واشنطن لتضرب أسواق السندات العالمية عبر قنوات الصرف والتدفقات النقدية، معيدة تشكيل خريطة الاقتراض في الاقتصادات الكبرى. وفي مقدمتها اليابان، التي شهدت تحولاً تاريخياً بملامسة عائد سنداتها الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3% للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد سنوات طويلة من سياسة الفائدة الصفرية والسالبة. هذا الصعود الحاد في العوائد اليابانية أحدث نقطة تحول جوهرية في حركة رؤوس الأموال العالمية؛ فارتفاع الفائدة المحلية في طوكيو، إلى جانب تراجع الين إلى مستويات قياسية متجاوزاً 160 ينّاً للدولار، شجع المؤسسات والمستثمرين اليابانيين ذوي الحيازات الهائلة من الأصول الخارجية على إعادة توجيه أموالهم للاقتراض والدخل الثابت المحلي بدلاً من الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية. وقد تسبب هذا التحول في حرمان سوق السندات الأمريكية من أكبر كفيل ودائن أجنبي تقليدي، ما زاد من مكشوفيتها ودفع العوائد الأمريكية لنطاقات أعلى لتعويض غياب الطلب الياباني.

ولم تكن أوروبا بمعزل عن هذه الهزة العالمية، حيث صعدت عوائد السندات الحكومية في بريطانيا (السندات الملكية) متجاوزة 5.2% تحت ضغط ارتفاع تكاليف الاستدانة وتأثير الضغوط التضخمية المستوردة. وفي ألمانيا، الاقتصاد الأكبر في منطقة اليورو، قفز عائد السندات لأجل 10 سنوات قرب 3.3% مسجلاً أعلى قمة له منذ عام 2011، متأثراً بزيادة التضخم الأوروبي الذي تجاوز 3% نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، ما أجبر البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا على مجاراة مناخ التشديد النقدي لحماية العملات المحلية من التراجع أمام الدولار القوي وتجنب هروب رؤوس الأموال نحو الأصول المقومة بالعملة الأمريكية.

تحليلات إعلامية: مسكنات مؤقتة وأزمة هيكلية

حظيت هذه التطورات باهتمام واسع وتحليلات مكثفة في وسائل الإعلام والصحافة الاقتصادية العالمية؛ حيث ركزت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية على الحدود الضيقة لمناورات الخزانة والفيدرالي، مشيرة إلى أن “عملية تويست” نجحت فقط في تهدئة العوائد بشكل مؤقت، لكن العجز الفيدرالي الضخم المتجاوز تريليوني دولار، والمنافسة الشديدة من شركات التكنولوجيا الكبرى التي تقترض بكثافة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، يضعان قيوداً حقيقية أمام كبح العوائد دون انضباط مالي حقيقي. ومن جانبها، أوضحت شبكة “سي إن بي سي” أن لجوء الإدارة الأمريكية لتقصير آجال الدين يمثل محاولة لامتصاص الصدمات أثناء قمة مجموعة العشرين في آشفيل لضمان عدم لجوء الشركاء الدوليين لمبيعات عشوائية مكثفة. وفي القارة الأوروبية، أبرزت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية ونشرات “دويتشه بنك” تحذيرات صريحة مما وصفته بـ”الكبح المالي الناعم”، مؤكدة أن أدوات وزارة الخزانة الأمريكية تعالج أعراض الأزمة وليس جذورها المتمثلة في تضخم الدين الوطني ومخاطر اضطراب خطوط الملاحة وإمدادات النفط عبر مضيق هرمز. وفي المقابل، تناولت صحيفة “نيكاي” اليابانية المفاوضات الجارية بين طوكيو وواشنطن لدعم الين، مشيرة إلى أن السلطات النقدية اليابانية ترحب بالتنسيق الذي يحمي عملتها من التدهور دون الاضطرار لتسييل حيازاتها من السندات الأمريكية طويلة الأجل، مشددة في الوقت ذاته على أن ارتفاع الفائدة اليابانية إلى 3% يمثل بداية مرحلة جديدة يعيد فيها المستثمر الياباني ترتيب أولوياته الاستثمارية داخل حدوده الوطنية، ما يضمن استمرار الضغوط على مستقبل السندات العالمية خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *