عقد على محاولة انقلاب غولن.. 21 ساعة حاسمة أفشلت المخطط في تركيا

مرت عشر سنوات كاملة على محاولة الانقلاب التي شنها تنظيم غولن الإرهابي في الخامس عشر من يوليو/تموز عام 2016، قبل أن تنجح مؤسسات الدولة التركية والمواطنون في إحباطها خلال زمن لم يتجاوز 21 ساعة.
كان التنظيم قد عمل منذ تأسيسه تحت غطاء ديني على التسلل إلى مفاصل الدولة التركية، وبخاصة القوات المسلحة، بهدف الإطاحة بالحكومة المنتخبة بالقوة. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يخطط فيها التنظيم للسيطرة على الدولة؛ إذ سبق له أن تورط في استدعاء رئيس جهاز الاستخبارات آنذاك هاكان فيدان ومسؤولين آخرين للتحقيق، فضلاً عن محاولة الانقلاب القضائي والأمني في السابع عشر والخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 2013، واعتراض شاحنات تابعة لجهاز الاستخبارات.
التخطيط للانقلاب
بعد فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات الأول من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015 بنسبة 49%، أدرك التنظيم أن الحكومة تتجه إلى إقصاء الضباط المرتبطين به من القوات المسلحة. كما أن الإجراءات التي اتخذتها نيابة إزمير لتوقيف عسكريين ينتمون إلى التنظيم، بينهم جنرالات، دفعت قيادة التنظيم إلى تسريع تحركها خوفاً من إبعاد مزيد من عناصرها عبر قرارات المجلس العسكري الأعلى.
وفي التاسع عشر من مارس/آذار عام 2016، ظهر زعيم التنظيم فتح الله غولن مرتدياً جبة خاكية في خطاب اعتبرته السلطات التركية دعوة لعناصره العسكرية للتحرك. وابتداءً من ديسمبر/كانون الأول عام 2015، بدأ مسؤولون مدنيون في التنظيم بزيارة الولايات المتحدة للقاء غولن، بينما عُقدت اجتماعات التخطيط الأخيرة بين السادس والتاسع من يوليو/تموز عام 2016 داخل فيلا في العاصمة أنقرة، برئاسة عادل أوكسوز، الذي تصفه السلطات التركية بأنه “إمام القوات المسلحة” في التنظيم.
وفي الحادي عشر من يوليو/تموز عام 2016، توجه أوكسوز وكمال باطماز، أحد أبرز القيادات المدنية السرية في التنظيم، إلى الولايات المتحدة لعرض الخطة على غولن، قبل أن يعودا إلى تركيا في الثالث عشر من الشهر نفسه. وقد استخدم الانقلابيون لاحقاً قاعدة أقنجي الجوية مركزاً رئيسياً لإدارة المحاولة، وأُلقي القبض على عدد من المسؤولين المدنيين المشاركين في التخطيط داخل القاعدة. وكان من المقرر أن تبدأ محاولة الانقلاب عند الساعة الثالثة فجر السادس عشر من يوليو/تموز عام 2016.
ليلة 15 يوليو: بدء المواجهة
قبل ساعات من الموعد المقرر، أبلغ طيار برتبة رائد جهاز الاستخبارات التركي بأن عناصر من تنظيم غولن تخطط لاختطاف رئيس الجهاز آنذاك هاكان فيدان. ونقل فيدان المعلومات إلى نائب رئيس هيئة الأركان آنذاك يشار غولر، ثم وصلت التفاصيل إلى رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار، الذي اجتمع بفيدان لبحث البلاغ واتخاذ التدابير اللازمة. وأمر أكار بعودة الطائرات العسكرية إلى قواعدها، وإغلاق المجال الجوي أمام الرحلات العسكرية، ومنع خروج المدرعات من ثكنة إتيمسغوت، وحظر تحليق المروحيات.
عندما وصلت معلومات الاجتماع والإجراءات المتخذة إلى قادة الانقلابيين، خشوا انكشاف مخططهم فقرروا تقديم موعد التنفيذ إلى الساعة 20:30 من مساء الخامس عشر من يوليو/تموز عام 2016. وتحرك 33 عنصراً من القوات الخاصة نحو مقر رئاسة الأركان، فيما اجتمع داخله محمد ديشلي، وأورهان يقيليكان، ومحمد بارتيغوتش، ورمضان غوزال لتنسيق التحرك. وعند الساعة 21:00، أبلغ محمد ديشلي رئيس هيئة الأركان ببدء محاولة الانقلاب، لكنه فشل في إقناعه بالانضمام إليها، ليحتجز الانقلابيون أكار داخل مكتبه.
أصدر الانقلابيون أوامر بخروج آليات عسكرية من ثكنة في بولاتلي للسيطرة على مواقع حيوية في أنقرة، وأرسلوا عبر نظام “ميداس” أوامر التحرك وقائمة تعيينات لما سموه “الأحكام العرفية”، تلتها أوامر بالسيطرة على الطرق والمؤسسات العامة. وعند الساعة 21:53، صدر أمر بعودة العسكريين الموجودين خارج الثكنات إلى وحداتهم، فيما سيطرت مجموعات انقلابية على مركز تنسيق الكوارث والطوارئ في منطقة كاغيت خانه بإسطنبول. وفي مقر رئاسة الأركان، استشهد بولنت أيدن، مساعد ضابط حماية قائد القوات البرية، ليكون أول شهداء تلك الليلة.
وبدأت مقاتلات “إف-16” التحليق على ارتفاع منخفض فوق أنقرة، فيما نقلت وسائل الإعلام عند الساعة 22:28 أخبار التحركات العسكرية وإغلاق جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح في إسطنبول. وعند الساعة 23:02، أكد رئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم في مداخلة تلفزيونية أن الحكومة المنتخبة ما زالت تمارس مهامها. وبعد ثلاث دقائق، فتحت النيابة العامة في أنقرة أول تحقيق رسمي بشأن محاولة الانقلاب. واستهدفت طائرات الانقلابيين إدارة الطيران التابعة للشرطة وقيادة القوات الخاصة في غولباشي، فيما أطلقت مروحيات النار على مقر جهاز الاستخبارات. كما سيطر المقدم السابق أوميت كنجر على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، وأجبر إحدى المذيعات على تلاوة بيان الانقلاب.
دعوة أردوغان وتصدي الشعب
عند الساعة 00:24 من فجر السادس عشر من يوليو/تموز، ظهر الرئيس رجب طيب أردوغان عبر قناة “سي إن إن تورك”، ودعا المواطنين إلى النزول إلى الساحات والميادين للتصدي لمحاولة الانقلاب. وبالتزامن مع ذلك، أطلق الانقلابيون النار على مواطنين تجمعوا أمام مقر قيادة الدرك، ما أسفر عن استشهاد 9 أشخاص وإصابة عشرات آخرين. وعند الساعة 00:56، قصفت طائرة مقاتلة مديرية أمن أنقرة، قبل أن تتعرض للقصف مجدداً من مقاتلة أخرى بعد نحو 10 دقائق.
وعند الساعة 01:13، وصلت إلى مطار إتيمسغوت طائرة تقل العميد الانقلابي سميح ترزي وكتيبة من القوات الخاصة، بهدف السيطرة على مقر قيادة القوات الخاصة في غولباشي. وتمكن قائد القوات الخاصة زكائي أكساقاللي من الاتصال بمساعده عمر خالص دمير، وأمره بإطلاق النار على ترزي. وعند الساعة 02:14، أطلق خالص دمير النار على ترزي عند مدخل مقر قيادة القوات الخاصة، فأرداه قتيلاً، قبل أن يستشهد برصاص عسكريين كانوا برفقة ترزي. واعتبرت السلطات التركية هذه الخطوة من أبرز المحطات التي أسهمت في إفشال محاولة الانقلاب.
في محيط رئاسة الأركان، أطلق الانقلابيون النار على المحتجين، ما أسفر عن استشهاد 36 مواطناً. ثم قصفت إحدى المقاتلات مبنى البرلمان التركي، ما أدى إلى إصابة 32 شخصاً. وعند الساعة 03:00، استعاد المواطنون السيطرة على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، فيما سلم الانقلابيون الموجودون داخله أنفسهم إلى الشرطة. وبين الساعتين 03:14 و03:19، شنت مقاتلة أربع غارات على منشآت شركة “توركسات” في محاولة لتعطيل البث. وفي تلك الأثناء، توافد المواطنون إلى الساحات والمقار الحكومية في مدن مختلفة، استجابة لدعوة أردوغان.
وفي إسطنبول، استعادت قوات العمليات الخاصة التابعة للشرطة برج المراقبة في مطار أتاتورك، بعد تحييد الانقلابيين الذين كانوا يسيطرون عليه، قبل أن تهبط فيه الطائرة التي كانت تقل الرئيس أردوغان وسط حشود من المواطنين. وعند الساعتين 03:24 و03:25، تعرض مبنى البرلمان لغارتين جديدتين. وفي الساعة 04:00، أصدرت النيابة العامة في أنقرة قرارات بتوقيف قضاة وأعضاء نيابة مرتبطين بالتنظيم، إلى جانب أعضاء ما يسمى “مجلس السلام في الوطن”، والمشاركين في محاولة الانقلاب.
إفشال المحاولة ووفاة غولن
عند الساعة 06:19، قصفت طائرة تقاطع المجمع الرئاسي في أنقرة، ما أسفر عن استشهاد 15 مواطناً وإصابة 7 آخرين. وفي مقر قيادة الدرك، أطلق انقلابيون النار على رئيس دائرة مكافحة الإرهاب تورغوت أصلان ومرافقه حسن غولهان، ما أدى إلى إصابة أصلان بجروح بالغة، واستشهاد غولهان. ومنح رئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم الفريق ضياء كمال قاضي أوغلو صلاحية إسقاط الطائرات التي بقيت تحت سيطرة الانقلابيين. ومع اتضاح فشل المحاولة، بدأ الانقلابيون الموجودون على جسر البوسفور في إسطنبول بتسليم أنفسهم إلى قوات الأمن.
وعند الساعة 08:26، نُقل رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار، الذي كان محتجزاً في قاعدة أقنجي الجوية، إلى قصر تشانقايا في أنقرة. كما استهدفت القوات الحكومية، بتوجيه من الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الدفاع آنذاك فكري إشيق، المدرج الرئيس في قاعدة أقنجي، لمنع إقلاع الطائرات التي كان يستخدمها الانقلابيون. وعند الساعة 12:57، أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم، خلال مؤتمر صحفي عقده في قصر تشانقايا، السيطرة على محاولة الانقلاب وإفشالها. وبذلك، أُحبطت المحاولة خلال نحو 21 ساعة، بعدما تصدت لها مؤسسات الدولة والمواطنون وقوات الأمن والعسكريون الرافضون للانقلاب.
وأسفرت المحاولة عن استشهاد 253 شخصاً من المدنيين والعسكريين، فيما استخدم الانقلابيون نحو 9 آلاف عسكري، و35 طائرة، و37 مروحية، و246 آلية مدرعة، بينها 74 دبابة، ونحو 4 آلاف قطعة سلاح خفيف.
أما فتح الله غولن، فقد بدأ نشاطه في ستينيات القرن الماضي بمدينة إزمير غربي تركيا، قبل أن يؤسس تنظيماً استهدف التغلغل في مؤسسات الدولة. ومنذ فراره إلى الولايات المتحدة عام 1999، أدار التنظيم من مجمع في ولاية بنسلفانيا، حيث أقام في مزرعة تضم ثماني فيلات وسط إجراءات أمنية مشددة. وقدمت تركيا إلى الولايات المتحدة سبعة طلبات رسمية لتسليمه، استناداً إلى 27 تهمة، إلا أن السلطات الأمريكية لم تتخذ أي خطوة عملية بهذا الشأن. وفي العشرين من أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، توفي غولن في مستشفى بولاية بنسلفانيا، قبل أن تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية وفاته رسمياً في وثيقة أرسلتها إلى السلطات التركية.



