نساء يغيرن مشهد كرة القدم العالمية بمناصب قيادية واستثمارية

لم تعد كرة القدم في القرن الحادي والعشرين حكراً على الرجال؛ فقد نجحت المرأة في دخول مراكز النفوذ داخل اللعبة، وانتقلت من مقاعد المتابعة إلى مواقع صناعة القرار، ومن الإدارة إلى الاستثمار وامتلاك الأندية وقيادة المؤسسات الرياضية الكبرى.
القيادة في الاتحادات الدولية
عينت فاطمة سمورة أمينة عامة للفيفا في عام 2016 وظلت في المنصب سبع سنوات، لتكون أول Woman تشغل هذا الموقع بعد 112 عاماً من هيمنة الرجال على المناصب القيادية في الاتحاد الدولي، بعد أن خلفت جيروم فالكه الممنوع من ممارسة أي أنشطة كرة قدم لمدة 12 عاماً. تحمل سمورة درجتي ماجستير في العلاقات الدولية والتجارة، وتحدث الإسبانية والإنجليزية والإيطالية والفرنسية، وأمضت 21 عاماً في العمل مع الأمم المتحدة، وأطلقت خلال مسيرتها برامج إنسانية عدة. خلال وجودها في الفيفا ارتفعت نسبة تمثيل النساء بين الموظفين إلى نحو 50% بعدما كانت 32%، وأشرفت على تنظيم بطولات كبرى منها كأس العالم 2018 في روسيا، وصنفها إعلام عالمي مثل مجلة فوربس مراراً ضمن أقوى النساء في الرياضة، وفي عام 2019 تولت مؤقتاً منصب المفوضة العامة للفيفا في أفريقيا بهدف الإشراف على تطوير وحوكمة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم. وبعد سبع سنوات حافلة بالعطاء أعلنت سمورة مغادرة منصبها رسمياً في أواخر 2023 عقب انتهاء كأس world للسيدات في أستراليا ونيوزيلندا، وخلفها السويدي ماتياس غرافستروم قبل أن تتجه إلى العمل الإنساني والاجتماعي.
من أفريقيا أيضاً برز اسم ليديا نسيكيرا التي أصبحت أول امرأة تنضم إلى اللجنة التنفيذية للفيفا، وسبق لها عضوية مجلس الفيفا. ولدت نسيكيرا في 20 أبريل 1967، وهي مسؤولة رياضية بوروندية وعضو في اللجنة الأولمبية الدولية منذ 2009، وتولت رئاسة اتحاد كرة القدم في بوروندي بين 2004 و2013. دخلت التاريخ عام 2012 عندما أصبحت أول Woman تنضم إلى مجلس الفيفا لمدة عام واحد، ثم انتُخبت في 2013 لفترة ولاية كاملة مدتها أربع سنوات لتكون أول Woman تحقق هذا الإنجاز. استمرت في مجلس الفيفا حتى 2021 عندما خسرت محاولتها لتمثيل أفريقيا للمرة الثالثة بعد أن تفوقت عليها إيشا يوهانسن خلال الجمعية العمومية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم في 12 مارس 2021. تشغل نسيكيرا حالياً منصب رئيس اللجنة الأولمبية في بوروندي، وترشحت مرتين لعضوية رابطة اللجان الأولمبية الوطنية الأفريقية لكنها خسرت أمام مصطفى براف، كما تشغل رئيسة لجنة المرأة في الرياضة التابعة للجنة الأولمبية الدولية، وتعد عضواً في لجنة التنسيق لأولمبياد لوس أنجلوس 2028.
من داخل الملعب إلى غرف صناعة القرار سطرت الأسترالية مويا دود واحدة من أبرز التجارب النسائية في كرة القدم. شاركت دود في أول بطولة كأس عالم للسيدات عام 1988، وارتدت قميص منتخب أستراليا لمدة تسع سنوات قبل أن تعتزل وتكرس جهودها للدفاع عن كرة القدم النسائية ومنحها المساحة التي تستحقها. شغلت عضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، وكانت عضوة في مجلس الفيفا. انضمت دود إلى مجلس إدارة الاتحاد الأسترالي لكرة القدم عام 2007، ثم انتخبت في 2009 نائبة لرئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم. وفي 2013 أصبحت عضوة في اللجنة التنفيذية للفيفا، قبل أن تقدم في أكتوبر 2015 مقترحاً لإصلاح منظومة الفيفا يتعلق بالمساواة بين الجنسين إلى رئيس لجنة إصلاح الفيفا فرانسوا كارار. ركز مقترحها على زيادة مشاركة النساء في عمليات صنع القرار وتعزيز الاستثمار في كرة القدم النسائية، وفي 2016 صادق الفيفا على المقترح وأضاف بنداً يلزم بوجود مقعد واحد على الأقل للنساء عن كل قارة. خسرت دود مقعدها في مجلس الفيفا عام 2017 لمصلحة ممثلة آسيا بعد أن تفوقت البنغلاديشية محفوظة أختر كيرون في التصويت بنتيجة 27 مقابل 17 صوتاً، وتعمل دود حالياً شريكة في شركة محاماة بعد أن حصدت خلال مسيرتها العديد من الجوائز والتكريمات. وفي 2016 حصلت على جائزة المرأة الأكثر تأثيراً من الصحافة الأسترالية، بينما وضعتها مجلة فوربس عام 2018 في المركز السابع ضمن قائمة أقوى النساء في الرياضة الدولية. وفي 2023 حصلت على وسام ضابط وسام أستراليا ضمن تكريمات عيد ميلاد الملك تقديراً لخدماتها المتميزة لكرة القدم كلاعبة ومسؤولة على المستويين الوطني والدولي، ولدورها كنموذج يحتذى به للنساء، وإسهاماتها في مجال القانون.
التأثير في الأندية والبطولات
الروسية المولد والإنجليزية الجنسية مارينا غرانوفسكايا صنعت اسماً مختلفاً في كرة القدم الأوروبية بعد أن تولت منصب المديرة التنفيذية لنادي تشيلسي الإنجليزي، وأصبحت واحدة من أكثر النساء نفوذاً في سوق الانتقالات وإدارة الأندية الأوروبية. خلال وجودها في تشيلسي ارتبط اسمها بالعديد من الملفات الكبرى في سوق الانتقالات، حتى وصفت مراراً بأنها واحدة من أقوى النساء في عالم إدارة كرة القدم. انتهت رحلتها مع النادي في يونيو 2022 عقب استحواذ تحالف تود بويلي على تشيلسي وإنهاء حقبة المالك السابق رومان أبراموفيتش. منذ مغادرتها النادي اختارت غرانوفسكايا الابتعاد تماماً عن الأضواء الرياضية، رغم ارتباط اسمها من وقت إلى آخر بشائعات حول إمكانية عودتها إلى مشاريع استثمارية جديدة برفقة أبراموفيتش، ومن بينها نادي سبارتاك موسكو، إلا أن هذه التقارير لم تتحول إلى واقع ملموس. وفي الوقت الراهن تركز غرانوفسكايا على حياتها الخاصة والسفر، وتشارك أحياناً صوراً من عطلاتها عبر حسابها الشخصي على إنستغرام، وتظهر من وقت إلى آخر في مباريات أساطير تشيلسي أو اللقاءات الخيرية، ولكن من دون أي منصب رسمي.
لم تكن فلورنس هاردوين لاعبة كرة قدم، لكنها نجحت في الوصول إلى أحد أعلى المناصب الإدارية في اللعبة الأوروبية بعد أن اقتحمت الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) في فبراير 2013 عقب مسيرة إدارية في الاتحاد الفرنسي لكرة القدم. بدأت هاردوين مسيرتها الرياضية في رياضة المبارزة، وحققت العديد من الألقاب الدولية بين 1989 و1996، قبل أن تنتقل إلى الإدارة الرياضية، وانضمت إلى الاتحاد الفرنسي لكرة القدم مديراً للتسويق بين 2008 و2013، ثم أصبحت نائبة للمدير العام في فبراير 2013. وفي مايو 2016 دخلت التاريخ بعدما انتُخبت عضواً في اللجنة التنفيذية لليويفا لتصبح أول Woman تنتخب لهذا المنصب التنفيذي في يويفا. تعرضت مسيرتها لهزة قوية في يناير 2023 عندما قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم تعليق مهامها احترازياً وتأديبياً على خلفية أزمات إدارية وتحقيقات شملت أيضاً رئيس الاتحاد السابق نويل لو غرايت. وتعمل هاردوين حالياً مديرة عامة لمؤسسة إيسي سبورت الفرنسية، حيث تركز على تطوير المشاريع الرياضية وتحديث المنظمات التابعة للمؤسسة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في الإدارة والتسويق الرياضي. بعد الأزمات الإدارية والاتهامات المتبادلة التي أعقبت إقالتها من الاتحاد الفرنسي، ابتعدت لفترة عن الساحة الرياضية، كما تعرضت لنوبة قلبية نقلت على إثرها إلى المستشفى نتيجة الضغوط التي رافقت تلك المرحلة. وانتهى النزاع القضائي الطويل بينها وبين الاتحاد الفرنسي المتعلق بطريقة إقالتها بتسوية مالية وتعويضات أغلقت ملف الخلاف إدارياً.
الاستثمار والملكية في كرة القدم
في السنوات الأخيرة برز اسم الأمريكية ميشيل كانغ باعتبارها واحدة من أقوى القيادات النسائية في كرة القدم، بعدما حولت الاستثمار في كرة القدم النسائية إلى مشروع رياضي واسع النطاق. منذ عام 2020 كرست كانغ جهودها للترويج لكرة القدم النسائية والاستثمار فيها، قبل أن تصبح في 2022 المالكة الأكبر لنادي واشنطن سبيريت الذي ينافس في الدوري الأمريكي لكرة القدم للسيدات. كما ارتبط اسمها بملكية نادي لندن سيتي ليونيسز الذي صعد إلى الدوري الممتاز للسيدات في نهاية موسم 2024-2025، ونادي أولمبيك ليون المعروف سابقاً باسم أولمبيك ليون للسيدات والذي ينافس في الدوري الفرنسي الممتاز ودوري أبطال أوروبا للسيدات. ولا تقتصر استثماراتها على كرة القدم النسائية، إذ تمتلك أيضاً حصة أقلية في نادي أولمبيك ليون للرجال، وفي 2024 أسست شركة «كينيسكا» في لندن لتكون مجموعة إدارة شاملة لهيكل ملكيتها المتعددة للأندية، في خطوة كرست صورتها كواحدة من أبرز سيدات الأعمال في كرة القدم النسائية. وفي 30 يونيو 2025 وصلت كانغ إلى منصب أكثر قوة بعدما عينت رئيسة لنادي أولمبيك ليون ورئيسة لشركة «إيجل فوتبول» المالكة للنادي، وتأسست «إيجل فوتبول هولدينغز» عام 2022 وهي مملوكة لجون تكستور لإدارة أندية كرة القدم التي يمتلك فيها أغلبية الأسهم، ومنها بوتافوغو البرازيلي، وأولمبيك ليون الفرنسي، وآر دبليو دي إم بروكسل البلجيكي. وانضمت كانغ إلى مجلس إدارة الشركة في 21 مارس 2023، وأصبحت مالكة لحصة أقلية، ورغم أن الشركة واجهت انخفاضاً حاداً في وضعها المالي بنسبة 19 % مقارنة بالعام السابق، ووصل إجمالي ديونها إلى 540 مليون دولار، فإن مساهمات كانغ لعبت دوراً رئيسياً في دفع الإيرادات إلى الارتفاع بنسبة 24 % بحلول عام 2024، مع استقرار النفقات وانخفاض إجمالي العجز إلى 422 مليون جنيه استرليني.
في البرازيل كتبت ليلى مجدلاني بيريرا فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم بعدما أصبحت أول Woman تتولى رئاسة نادي بالميراس، أحد أعرق الأندية البرازيلية. وبخلفيتها كرائدة أعمال برازيلية من أصول لبنانية، ومحامية وصحفية ومديرة رياضية، نجحت بيريرا في تحويل اسمها إلى واحد من أبرز الأسماء الإدارية في كرة القدم البرازيلية. ولدت ليلى مجدلاني بيريرا في 11 نوفمبر 1964، وكانت تترأس شركة «كريفيسا» المالية قبل أن تخوض انتخابات رئاسة بالميراس وتحقق فوزاً كاسحاً بعدما حصلت على 1.897 صوتاً من أصل 2.141 صوتاً. ومنذ وصولها إلى رئاسة النادي في ديسمبر 2021 دخل بالميراس مرحلة حافلة بالإنجازات والألقاب، وفي عام 2022 حقق الفريق الدوري البرازيلي وكأس ريكوبا سوداميريكانا ودوري باوليستا. ولم يقتصر النجاح على فريق الرجال، إذ توج فريق السيدات في النادي بكأس ليبرتادوريس ودوري باوليستا، في انعكاس واضح لاهتمام الإدارة بمختلف قطاعات النادي. وترتبط قصة بيريرا بالميراس أيضاً بعلاقة مالية واستثمارية قوية، إذ أصبحت «كريفيسا»، الشركة المالية التي تملكها، الراعي الرسمي للنادي منذ 2015، وشكلت الشراكة بين الشركة والنادي أحد مصادر الدعم المالي التي ساعدت بالميراس على تعزيز استثماراته ورفع قدرته التنافسية، ومن أبرز ثمار تلك المرحلة فوز بالميراس بلقب كأس ليبرتادوريس مرتين. ولم يكن نفوذ بيريرا رياضياً فقط، إذ صنفتها مجلة «فوربس» عام 2022 خامس أغنى امرأة في البرازيل، في تأكيد على ثقلها الاقتصادي وقدرتها على الجمع بين عالم الأعمال وكرة القدم، ولكن النجاح لم يمنع العواصف الجماهيرية، إذ تعرضت بيريرا لانتقادات من مشجعي بالميراس، خصوصاً جماعة مانشا ألفيردي، بسبب عدد من القرارات خلال فترة رئاستها. وكان من أبرز الانتقادات تأخر التعاقدات مع اللاعبين في موسم 2023، إلى جانب التعامل مع احتجاجات جماهيرية مرتبطة بمرافق النادي، ومنها تغيير أماكن الجلوس في ملعب أليانز باركي. وفي خطوة استراتيجية لتعزيز البنية التحتية، فازت «كريفيسا» بإدارة ملعب أرينا بارويري في أكتوبر 2023، وأعلنت بيريرا أن شركتها ستستثمر ما يصل إلى 100 مليون دولار في تطوير الملعب على مدار 35 عاماً، في مشروع يستهدف تحسين تجربة الجماهير وتوفير ملعب بديل للميراس عندما يتعذر استخدام أليانز باركي.
هذه التجارب المتنوعة تكشف أن حضور المرأة في كرة القدم لم يعد مجرد ظاهرة عابرة أو محاولة لإثبات الذات، بل أصبح جزءاً متنامياً من هيكل اللعبة الحديثة، وبينما وصلت سمورة إلى قمة الهرم الإداري في «فيفا»، دخلت نسيكيرا التاريخ من بوابة مجلس الاتحاد الدولي، وصنعت غرانوفسكايا نفوذها في سوق الانتقالات، واقتحمت هاردوين دوائر القرار في «يويفا»، وحولت دود تجربتها كلاعبة إلى مشروع للدفاع عن المساواة. وفي المقابل، انتقلت كانغ إلى مرحلة أكثر جرأة عبر امتلاك وإدارة الأندية، بينما صنعت بيريرا نموذجاً مختلفاً في البرازيل، يجمع بين المال والرياضة والإنجازات.



