الاحتراق الوظيفي: عندما يختفي الشغف في مكان العمل

مفهوم الاحتراق الوظيفي وأعراضه
كنت أعتقد أن سبب إرهاق الموظف هو كثرة العمل، لكن الحقيقة أظهرت العكس؛ فالإرهاق ينتج عندما يُمنع الموظف من أداء مهامه.
في لقاء حديث، جلست مع شاب كان قبل عامين يُعتبر نجم الإدارة ويملؤه الحماس والأفكار؛ اليوم يظهر منهكاً ويقول: «أنا لا أذهب للعمل، بل أذهب فقط لإثنائي أنني ما زلت ضمن الوظيفة».
هذه ليست حالة معزولة؛ بل هي ما تصفها منظمة الصحة العالمية بالاحتراق الوظيفي، وتتمثل أعراضها في إرهاق جسدي يظهر قبل بدء العمل، وتشاؤم عقلي يطرح سؤال «ما الفائدة؟»، وشعور داخلي بعدم تحقيق أي إنجاز ذي قيمة.
نحن نبحث عن المسببات في المكان غير المناسب، فنلوم الموظف وننصحه بتنظيم وقت وممارسة الرياضة والشعور بالسعادة، بينما الحقيقة أن هناك عاملين يقتلان الشغف في مكاتبنا لا نتحدث عنهما بوضوح.
دور المدير النرجسي والبيروقراطية في إطفاء الشغف
القاتل الأول يتمثل في المدير النرجسي الذي لا يسعى لوجود موظفين فعليين، بل يرغب في جمهور يصفق له؛ عند النجاح ينسب الفضل لنفسه قائلاً «أنا من وجهته»، وعند الفشل يلوم الآخرين قائلاً «أنا حذرتكم منه». يخاف من المبدع فيعمل على محاربته. وفقًا لدراسة بريطانية، فإن العمل تحت مثل هذا المدير يرفع مستوى هرمون التوتر بنسبة 40٪، ومع ذلك نكافئ هذا السلوك ونعتبره دليلاً على الحزم والقوة والانضباط، متغافلين عن موظفيه الذين يعانون في صمت؛ حيث يقضون نحو سبعين في المائة من وقتهم في تفادي غضبه، وثلاثين في المائة فقط في أداء المهام الفعلية.
القاتل الثاني يتمثل في البيروقراطية؛ إذا كان المدير النرجسي يوجه طعنة إلى القلب، فإن البيروقراطية تعقل العقل. عندما يكون لدى الموظف فكرة قد توفر ملايين، فإن العملية تتطلب تشكيل لجنة، ثم إجراء دراسة، ثم جمع توقيعات عديدة؛ بعد أشهر، يأتي الرد بأن الفكرة جيدة لكنها لا تتوافق مع الإجراءات المتبعة. يتعلم الموظف الذكي درساً صارماً: الابتكار يعادل مخاطرة، والمخاطرة تؤدي إلى محاسبة؛ لذا من الأسهل إنهاء المعاملة والصمت، ما يحوّل المؤسسة من بيئة توليد الأفكار إلى مقبرة لها.
مقترحات لمعالجة الظاهرة وإعادة الحيوية للمؤسسات
ما هو الحل إذاً؟ لا تكمن الإجابة في ورش إدارة الضغط، بل في تبني نظام يقيس مستوى الاحتراق قبل قياس الحضور؛ ينبغي على كل مؤسسة أن تسأل: كم عدد المديرين الذين يتلقون شكاوى من أكثر من ثلاثة موظفين؟ مثل هذا الشخص ليس قائداً حقيقياً، بل يمثل عبئاً؛ يجب إنشاء مسار سريع لتقديم الأفكار، إذ إن الموظفين لا يغادرون المؤسسات بقدر ما يرحلون عن مديريهم.
لرؤية مقالات سابقة للكاتب، اضغط على اسمه
التعليقات والآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة النظر الكاتب فقط، ولا تتحمل الجهة الناشرة أي مسؤولية عنها.




