بعد عقد من البريكست: مؤشرات على تحول المزاج البريطاني والأوروبي

في الذكرى العاشرة للاستفتاء التاريخي الذي قاد المملكة المتحدة إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، تحتدم النقاشات في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية والأوروبية، وسط دلائل متزايدة على تغير ملحوظ في الرأي العام على جانبي القناة الإنجليزية، وارتفاع الأصوات المطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة الحالية.
استطلاع يكشف استياء واسعاً من تداعيات الانفصال
كشف تقرير إحصائي صدر مؤخراً عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في يونيو 2026، أن خيبة الأمل من نتائج الانفصال باتت تشكل قاسماً مشتركاً بين مختلف التيارات السياسية في بريطانيا. فقد أظهرت النتائج أن 66% من المشاركين يرون أن الخروج أثّر سلباً على تكاليف المعيشة، فيما اعتبر 65% أنه أضر بالاقتصاد الكلي وفرص العمل المتاحة للشباب. بل إن 56% من المستطلعين يعتقدون أن الوعود المتعلقة بالسيطرة على الهجرة غير النظامية لم تتحقق على أرض الواقع.
انفتاح أوروبي متزايد على عودة بريطانيا
في المقابل، يبدو أن الموقف الأوروبي يتجه نحو مزيد من الانفتاح على فكرة التغيير. إذ أشار الاستطلاع نفسه إلى أن حوالي 66% من مواطني 15 دولة أوروبية يؤيدون عودة بريطانيا إلى التكتل، وهي نسبة تفوق أولئك الذين يفضلون الاقتصار على علاقات ثنائية وثيقة فقط.
تباين بين تطلعات الشارع وتحفظات النخبة الحاكمة
في القراءات الصحفية الصادرة عن لندن، رصدت التقارير فجوة واضحة بين رغبات المواطنين وتحفظات الطبقة السياسية الحاكمة. فقد نقلت صحيفة «تايمز» البريطانية عن مراقبين أن الظروف الجيوسياسية الراهنة والضغوط الناجمة عن المشهد الدولي تدفع شريحة واسعة من الناخبين إلى تفضيل التقارب مع الجوار الأوروبي وتأمين الشراكات الاقتصادية والدفاعية، حتى لو تطلب ذلك القبول ببعض شروط حرية التنقل التي كانت تُعتبر خطاً أحمر في الماضي.
في حين أشارت تحليلات صحفية أخرى إلى أن الساحة السياسية البريطانية لم تعد قادرة على تحمل هزات كبرى جديدة بعد تداول ستة رؤساء وزراء على منصب رئيس الحكومة في داونينغ ستريت منذ عام 2016، وهو ما يفسر حالة الحذر الشديد التي يبديها القادة السياسيون.
موقف رسمي حذر: علاقة وثيقة لا عودة للعضوية
على الصعيد الرسمي، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، التزام حكومته بعدم السعي للانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي أو العودة إلى السوق الموحدة والاتحاد الجمركي. وبدلاً من ذلك، يركز على صياغة «علاقة وثيقة ومستدامة» تعالج الثغرات في الاتفاق الحالي. وقد تجسد هذا الموقف في مباحثاته الأخيرة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين للتحضير لقمة مشتركة مرتقبة في يوليو 2026 تهدف إلى تعزيز التعاون في ملفات الأمن والتشريعات التجارية والتصدي للهجرة غير النظامية.
ويرى خبراء القانون الدولي والسياسة في معهد الحكومة البريطاني أن الحديث عن عودة كاملة للمملكة المتحدة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي يواجه تعقيدات هيكلية كبيرة. فالأمر لا يقتصر على الرغبة الشعبية فحسب، بل يتطلب قراراً سياسياً بريطانياً سيادياً، وتقديم طلب عضوية جديد تماماً يخضع لشروط الانضمام المعيارية الحالية، بالإضافة إلى ضرورة الحصول على موافقة جماعية وإجماع مطلق من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وهذا يجعل مسار التنسيق الفني والاتفاقيات المرحلية السيناريو الأكثر واقعية وقرباً للتطبيق في المستقبل المنظور.



