مسار الهجرة إلى الولايات المتحدة على مدار 250 عاماً: من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية وآسيا

البدايات الأوروبية والهجرات المبكرة
على مدار 250 سنة شهدت الولايات المتحدة تغيرات كبيرة في تكوين سكانها المولودين خارج البلاد، منتقلاً من دولة استقبلت موجات هجرة أوروبية ضخمة في القرن التاسعسينعتمد بدرجة أكبر على القادمين من أمريكا اللاتينية وآسيا. وفقًا لتحليل جديد أصدره مكتب الإحصاء الأمريكي بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، استند التقرير إلى بيانات التعداد السكاني الأمريكي الذي بدأ تسجيل مكان الميلاد للأحرار منذ 1850. في ذلك العام بلغ عدد المولودين في الخارج 2.2 مليون نسمة، ما يعادل 9.7% من إجمالي السكان، مؤشرًا على الدور المبكر للهجرة في تشكيل المجتمع الأمريكي. وفي العقود التالية ارتفعت النسبة إلى 14.4% بحلول 1870 ثم إلى 14.8% عام 1890، وهو أعلى مستوى سجل آنذاك. كان هذا الارتفاع مدفوعًا بملايين الأوروبيين الذين غادروا أوطانهم بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل أو هربًا من أزمات سياسية ومجاعات واضطهاد، مثل المجاعة الكبرى في أيرلندا والاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أجزاء من أوروبا الشرقية. وفي نفس الفترة بدأ وصول مجموعات من العمال الصينيين للمشاركة في استخراج الذهب وبناء السكك الحديدية العابرة للقارات، لكن أعدادهم بقيت محدودة نسبيًا بعد صدور قانون استبعاد الصينيين عام 1882، الذي يُعد أول تشريع فيدرالي رئيسي يفرض قيودًا على الهجرة استنادًا إلى الجنسية.
التحول التشريعي وقانون 1965
مع مطلع القرن العشرين بدأت سياسات الهجرة الأمريكية تتغير تدريجيًا؛ فأنظمة الحصص التي اعتمدت على الأصل القومي أدت إلى تراجع نسبة المولودين في الخارج، ووصلت إلى أدنى مستوى لها خلال أكثر من قرن عند 4.7% فقط عام 1970. لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع إقرار قانون الهجرة والجنسية لعام 1965، المعروف بقانون هارت-سيلر، الذي ألغى نظام الحصص القائم على الأصل القومي واستبدله بسياسة تركز على لم شمل الأسر واستقطاب العمالة الماهرة واستقبال اللاجئين. أدى هذا التغيير إلى إعادة رسم خريطة الهجرة نحو الولايات المتحدة بصورة جذرية.
النمو اللاتيني والآسيوي والرقم القياسي لعام 2024
منذ سبعينيات القرن الماضي ارتفعت الهجرة القادمة من أمريكا اللاتينية بوتيرة متسارعة، كما شهدت الهجرة الآسيوية نموًا كبيرًا مدفوعة بإعادة توطين اللاجئين بعد حرب فيتنام والطلب المتزايد على الكفاءات والمهارات في مختلف القطاعات الاقتصادية. بين عامي 1970 و1980 ارتفعت نسبة المهاجرين الآسيويين ضمن السكان المولودين في الخارج من 8.9% إلى 19.3%، وبحلول عام 1990 تجاوز عددهم عدد المهاجرين القادمين من أوروبا لأول مرة في تاريخ البلاد. وبحسب أحدث بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي بلغ عدد السكان المولودين في الخارج خلال عام 2024 نحو 50.2 مليون شخص، أي ما يعادل 14.8% من إجمالي سكان الولايات المتحدة، وهي أعلى نسبة تُسجل على الإطلاق، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل قبل أكثر من قرن. وتظهر تركيبة المهاجرين الحالية هذا التحول التاريخي؛ حيث يشكل القادمون من دول أمريكا اللاتينية نحو 51.4% من إجمالي السكان المولودين في الخارج، بينما يمثل القادمون من الدول الآسيوية 30.8%، في حين تراجعت حصة أوروبا بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه في القرن التاسع عشر.



