موجة حر قياسية تشعل حرائق الغابات في المغرب العربي وتستدعي استجابة عاجلة

تشهد دول المغرب العربي، ولا سيما المغرب والجزائر وتونس، موجة حر شديدة تسببت في اندلاع حرائق غابات واسعة النطاق، التهمت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والغابات، مما ألحق أضراراً بيئية واقتصادية بالغة.
الجزائر: 14 حريقاً نشطاً وإجلاء سكان
في الجزائر، تواصل فرق الحماية المدنية جهودها لإخماد 14 حريقاً في الغابات والغطاء النباتي عبر 12 ولاية، بعد أن تمكنت من السيطرة على 89 حريقاً سابقاً، مستعينة بوسائل تدخل جوية وبرية. وفي 22 يوليو 2026، أعلنت السلطات إجلاء سكان مناطق مهددة بحرائق الغابات في بلدة سرايدي بولاية عنابة شرقي البلاد، كما أخلت مستشفى المنطقة. وذكرت المديرية العامة للحماية المدنية أن الحرائق انتشرت بسرعة بسبب الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة وهبوب رياح قوية، وأن فرق الإطفاء البرية، مدعومة بالوسائل الجوية، تواصل عملياتها بالتنسيق مع الجيش الوطني الشعبي والأجهزة الأمنية. وحتى 21 يوليو 2026، سجلت الجزائر 170 حريقاً، أُخمد منها 104، فيما تتواصل عمليات إخماد 66 حريقاً في 19 ولاية. وتتزامن هذه الحرائق مع درجات حرارة قياسية تجاوزت 49 درجة مئوية في مدن ساحلية، ورافقتها رياح جنوبية حارة تُعرف محلياً باسم “الشهيلي”. ووفق معطيات الدفاع المدني، بلغ إجمالي الحرائق المسجلة منذ 1 مايو 2026 وحتى 20 يوليو 2026 نحو 3719 حريقاً، مقابل 1501 حريقاً خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 150 بالمئة. وأتت الحرائق على أكثر من 1666 هكتاراً من الغطاء النباتي، مقارنة بـ467 هكتاراً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
تونس: حرارة قياسية وحريق يستمر 16 ساعة
في تونس، أعلنت السلطات يوم الأربعاء السيطرة على حريق اندلع في غابات ساحلية بين مدينتي رفراف وغار الملح بولاية بنزرت شمالي البلاد، واستمرت عمليات إخماده أكثر من 16 ساعة. وأوضحت ولاية بنزرت أن جهود الإطفاء استمرت لأكثر من 16 ساعة، وأن أعمال المراقبة الميدانية ستتواصل لمنع تجدد النيران، خاصة مع استمرار موجة الحر وهبوب الرياح. وأكدت الولاية أن الحريق لم يسفر عن خسائر بشرية، حيث تم نشر سيارات إطفاء في محيط المساكن المجاورة للغابة، ودعوة سكانها إلى المغادرة، فيما جرى إجلاء 8 نساء و6 رضع من المنطقة. وتشهد تونس موجة حر تجاوزت فيها درجات الحرارة 45 درجة مئوية في معظم المناطق. وبحسب المرصد التونسي للطقس والمناخ، كانت مدينة القيروان يوم الثلاثاء ثاني أكثر مدن العالم حرارة، بعدما سجلت 49.6 درجة مئوية، وذلك بعد مدينة ينبع السعودية التي بلغت درجة الحرارة فيها 50 درجة مئوية. وفي 15 يوليو 2026، سيطرت فرق الإطفاء التونسية على حريق اندلع في مناطق بولاية جندوبة شمال غرب البلاد، بعد أن دمر أكثر من 30 هكتاراً من الغابات، وتسبب في أضرار بمنازل ونفوق حيوانات. وفي اليوم السابق، أعلن رئيس مصلحة الاستمرار بإدارة العمليات بالديوان الوطني للحماية المدنية العقيد محسن بوغزالة أن وحدات الحماية المدنية سيطرت بالكامل على حرائق غابات اندلعت في 4 ولايات، بفضل تدخلات ميدانية متواصلة تزامنت مع موجة الحر. وأضاف أن الحرائق اندلعت في 11 يوليو 2026 في جبل الشحمة بولاية زغوان، إلى جانب حرائق في ولايات سليانة وباجة والكاف، وأن التقديرات الأولية تشير إلى تضرر أكثر من 400 هكتار جراء حريق جبل الشحمة.
المغرب: 310 حرائق و1850 هكتاراً متضررة
في المغرب، أعلنت السلطات في 21 يوليو 2026 أن عدد حرائق الغابات التي شهدتها المملكة منذ مطلع العام وحتى 20 يوليو بلغ 310 حرائق، أتت على 1850 هكتاراً. وذكرت الوكالة الوطنية للمياه والغابات أن عدد الحرائق ارتفع بنسبة نحو 32 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكن المساحات المحروقة تراجعت بحوالي 30 بالمئة، لتنخفض من 2660 هكتاراً إلى 1850 هكتاراً. وأرجعت الوكالة هذا الانخفاض إلى “فعالية منظومة الوقاية والتدخل” التي تنفذها مختلف الجهات المعنية، مؤكدة أن سرعة الرصد والتبليغ والتدخل الميداني المنسق مكنت من احتواء الغالبية العظمى من الحرائق في مراحلها الأولى. وبين 13 و19 يوليو 2026، تم تسجيل 20 حريقاً في غابات، أتت على 670 هكتاراً.
خبير بيئي يدعو إلى تدابير عاجلة لمواجهة التغير المناخي
دعا الخبير البيئي المغربي مصطفى بنرامل، في حديث لوكالة الأناضول، الدول المتضررة إلى تنفيذ حزمة تدابير عاجلة، تشمل تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، والزراعة الذكية مناخياً، وتسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة. وتوقع بنرامل تزايد موجات الجفاف الطويلة في الدول المغاربية وشمال إفريقيا بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية، مما سيؤثر سلباً على الزراعة ويهدد الأمن الغذائي. وأشار إلى أن بعض المناطق ستشهد، في المقابل، أمطاراً غزيرة تتسبب في سيول، نتيجة اضطراب الدورة الجوية في حوض البحر المتوسط، كما يرتقب ارتفاع مخاطر حرائق الغابات بفعل الحرارة الشديدة وانخفاض الرطوبة. واعتبر بنرامل أن التقلبات المناخية أصبحت أقل قابلية للتوقع وأكثر عنفاً، مما يفرض ضرورة الاستثمار في منظومات الإنذار المبكر واعتماد سياسات ملائمة، لأن المنطقة من أكثر بقاع العالم هشاشة أمام التغير المناخي. ودعا إلى تطوير محطات الرصد الجوي، وتوسيع استخدام النماذج المناخية التي تسمح بالتوقع السريع لحرائق الغابات والفيضانات، والاستثمار في البنى التحتية المقاومة للمناخ مثل السدود التلية وحماية الأنهار، وتعزيز قدرة المدن على تحمل الظواهر المناخية. كما دعا إلى اعتماد إجراءات بديلة للحد من تداعيات التقلبات المناخية، ودعم الزراعة الذكية مناخياً عبر اعتماد أنواع مقاومة للجفاف، وترشيد استخدام المياه واعتماد الري بالتنقيط، وحماية الغابات من خلال تكثيف عمليات التشجير. وأكد ضرورة تسريع الانتقال الطاقي عبر توسيع استخدام مصادر الطاقة البديلة والمتجددة، وتشجيع النقل الكهربائي، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يساهم في خفض الانبعاثات. وشدد على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتبادل التجارب ونقل التكنولوجيا، معتبراً أن التغلب على تداعيات التقلبات المناخية يمر عبر الوقاية والتخطيط طويل المدى والعمل الجماعي.



