أربعة عوامل تجعل صيف أوروبا الحار أكثر إيلاماً من الشرق الأوسط

بينما يمضي سكان الشرق الأوسط وأفريقيا حياتهم الاعتيادية تحت درجات حرارة تتجاوز أربعين درجة مئوية، تعلن العواصم الأوروبية حالات الطوارئ، وتتوقف حركة القطارات، وتمتلئ المستشفيات بالمرضى حالما تلامس الحرارة حاجز الثلاثين درجة مئوية، وهو ما يعتبر صيفاً بارداً نسبياً لمناطق أخرى من العالم. فهل تحوّل الأوروبيون إلى قوم مدللين، أم أن تكوينهم الجسدي مختلف عن بقية البشر؟
الحقيقة أن ما تشهده أوروبا لا يعود إلى أي من هذين التفسيرين، بل ينبع من تداخل معقّد بين عوامل هندسية ومناخية وفسيولوجية، وفق أحدث التقارير والدراسات العلمية، وهي مجتمعة تجعل أي ارتفاع في درجات الحرارة بالقارة الأوروبية أمراً خطيراً يستوجب إعلان حالة الطوارئ.
تصميم المباني: مكمّن حراري بدلاً من مأوى
دراسة صادرة عن مدرسة أكسفورد مارتن التابعة لجامعة أكسفورد تشير إلى أن المشكلة البنيوية تكمن في تصميم المباني الأوروبية. وأوضحت الدكتورة راديكا خوسلا، الباحثة الرئيسية في دراسات التبريد في الجامعة، أن “البيوت في شمال ووسط أوروبا صُممت تاريخياً ومحلياً للاحتفاظ بالحرارة لمواجهة فصول الشتاء القاسية”.
وتضيف خوسلا: “عندما ترتفع درجات الحرارة في الخارج، تتحول هذه المباني المزوّدة بعزل حراري كثيف إلى ما يشبه البيوت الزجاجية، حيث تحبس الحرارة في الداخل وتمنع تسربها للخارج، مما يجعل البيئة الداخلية أكثر حرارة وقسوة من الشارع”.
غياب التكييف واعتماد خاطئ على المراوح
الغالبية العظمى من المنازل في أوروبا تفتقر إلى أنظمة تكييف الهواء، التي تعتبر من الأساسيات في الدول الحارة. ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، لا تتجاوز نسبة المنازل المجهّزة بأجهزة تكييف في دول مثل بريطانيا وألمانيا خمسة بالمئة، مقارنة بأكثر من تسعين بالمئة في الولايات المتحدة ودول الخليج العربي.
ويوضح تقرير الوكالة أن الاعتماد الأوروبي في التبريد ينصبّ بشكل شبه كامل على المراوح التقليدية، التي تفقد فعاليتها علمياً عندما تتجاوز الحرارة خمسة وثلاثين درجة مئوية، حيث تبدأ عندها بدفع الهواء الساخن نحو الأجساد بدلاً من تبريدها.
صدمة حرارية بيولوجية وغياب التأقلم
من الناحية الفسيولوجية، يتعرض الجسم البشري في أوروبا لصدمة حرارية نتيجة التغير المفاجئ والحاد في الطقس. وفي هذا السياق يؤكد الدكتور جورج هافينيث، أستاذ فسيولوجيا البيئة وبيئة العمل في جامعة لوفبرا البريطانية، أن “جسم الإنسان يحتاج إلى فترة تتراوح بين عشرة وأربعة عشر يوماً من التعرض التدريجي للحرارة حتى يطوّر آليات للتأقلم، مثل زيادة كفاءة التعرق وتوسيع الأوعية الدموية”.
ويضيف هافينيث: “في دول الشرق الأوسط، يرتفع مؤشر الحرارة تدريجياً على مدار أسابيع، مما يمنح السكان فرصة للتأقلم. أما في أوروبا، فإن موجات الحر تضرب فجأة، فترتفع درجات الحرارة بمقدار خمس عشرة درجة مئوية أو أكثر خلال أيام قلائل، مما يحرم الجسم من الوقت اللازم لضبط آليات التبريد الذاتي ويؤدي إلى حالات الإجهاد الحراري السريع”.
الجزر الحرارية الحضرية وغياب التعافي الليلي
طبيعة المدن الأوروبية القديمة وتخطيطها يزيدان من حدة الأزمة. فبحسب تقرير صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، تعاني المدن الأوروبية الكبرى بشكل حاد من ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية (Urban Heat Islands). فالشوارع الضيقة والمباني الحجرية المتراصة تمتص الإشعاع الشمسي نهاراً وتعيد بثه ليلاً، مما يمنع انخفاض درجات الحرارة خلال ساعات الليل ويحرم السكان من فرصة التعافي الفسيولوجي الذي يحدث عادة أثناء النوم.
وفي إحاطة لتقييم المخاطر، حذّر الدكتور هانز هنري كلوجه، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (WHO) في أوروبا، من أن غياب الاستعداد الهيكلي والاعتياد الجسدي يجعل من موجات الحر في أوروبا “قاتلاً صامتاً”، مشدداً على ضرورة التكيف الحضري وإعادة تقييم معايير البناء لمواجهة التغيرات المناخية المتطرفة التي لم تعد القارة العجوز بمنأى عنها.



