الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب تجمع بين التوسع الرقمي وتعزيز التبادل الثقافي

التوسع الرقمي والابتكار
أكد سعادة سعيد حمدان الطنيجي المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية ومدير معرض أبوظبي الدولي للكتاب أن الدورة الـ35 تمثل نقلة نوعية في مسيرته من خلال الجمع بين التوسع الرقمي وتعميق التبادل الثقافي العالمي، مضيفاً أن المعرض يستضيف عارضين من خمس وتسعين دولة، وبمشاركة سبع دول لأول مرة في تاريخه هي كوسوفو وكولومبيا والأرجنتين والإكوادور وبيرو وفنزويلا وكوبا.
وأوضح أن هذا النمو يعكس القيمة الاستراتيجية الكبيرة للمعرض وثقة المجتمع الإبداعي الدولي في إمارة أبوظبي، مما يجذب استثمارات في الصناعات الإبداعية ويوفر منصات دعم مالي ومهني للناشرين العرب والشباب، ويسهل تبادل حقوق النشر والترجمة وبناء شراكات دولية، ما يعزز دور أبوظبي مركزاً رئيساً لإنتاج المعرفة وبناء اقتصاد ثقافي وفكري وعاصمة مؤثرة في مجتمع المعرفة العالمي.
التبادل الثقافي والمبادرات الجديدة
وأعلن الطنيجي عن إطلاق الدورة الأولى من مبادرة “أعلام الإمارات” التي تسلط الضوء سنوياً على شخصيات إماراتية تركت أثراً في مسيرة الدولة والمنطقة، وتشكل جسراً بين الماضي العريق والحاضر المشرق والمستقبل الواعد، لتمكين الأجيال الجديدة من التعرف إلى نماذج وطنية ملهمة وربط القراءة بمعرفة التاريخ والتراث والمنجز الحضاري.
كما أطلق المركز تقليداً جديداً يوسع مساحة التفاعل المجتمعي مع المعرض من خلال حفل افتتاح فني تستعرض نسخته الأولى رحلة المعرض منذ انطلاقته عام 1981 وحتى عام 2026، ويحتوي على برنامج وطني يحتفي بحب الإمارات عبر اللحن والأغنية الإماراتية، يليه عرض مسرحي بعنوان “مجاز الخليل: أسطورة الحب والبقاء” مستمد من إرث الخليل بن أحمد الفراهيدي، يوظف مفهوم “الميزان” لتقديم رؤية إنسانية معاصرة تبرز قوة الكلمة وقيم الحب والتسامح.
البرنامج الشامل والتركيز على الأسرة والأجيال الشابة
وبيّن أن فعاليات الدورة تصل إلى نحو ألف وخمسمائة فعالية تتوزع على ثلاثة محاور رئيسة هي الثقافة العالمية والحوار الحضاري، والابتكار وصناعة المستقبل، والفنون والتجارب الثقافية الحية، ما يكرس تأثير المعرض كمنصة عالمية لرسم ملامح النشر الحديث من خلال برامج ثقافية وتعليمية ومهنية وفنية وبرامج للأطفال والناشئة، تنبثق عنها جلسات وندوات وورش عمل تدعم المواهب الشابة وتحفزها على الإبداع في مجالات اللغة العربية، مع الحرص على استفادة الأنشطة من تقنيات الذكاء الاصطناعي ورعاية حقوق الملكية الفكرية والاستثمار في المواهب الإبداعية الشابة لضمان استدامة القطاع الإبداعي وجعله رافداً قوياً للنمو المعرفي على المستوى الدولي.
وأكد أن شعار الدورة “لنقلب الصفحة ونقرأ العالم” يجسد الدور الحضاري للدولة في مد جسور التواصل الإنساني والانفتاح المعرفي والاستعداد الدائم للتجدد والتطوير المستمر، ويمثل دعوة لتجاوز الحدود الجغرافية عبر بوابة الفكر والتواصل مع حضارات العالم، ويعكس رؤية مركز أبوظبي للغة العربية ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب في مخاطبة العالم وإثراء الحوار الحضاري عبر وسائط ثقافية ومعرفية تستلهم حضورها من الإرث الغني للثقافة العربية، وببلغة تواصل وأشكال حضور تناسب العصر.
وأضاف أن المعرض يحمل اسم العاصمة التي نجحت في تقديم نموذج رائد في بناء مجتمع معرفي عالمي، وهو ملتقى لصناع القرار الثقافي من أدباء ومفكرين وأقطاب صناعة النشر في مكان واحد لتتقاطع الثقافات وتتحاور على أرض أبوظبي.
وأشار إلى أن الأجيال الجديدة تتصدر اهتمام مركز أبوظبي للغة العربية، موضحاً أن نسبة الفعاليات المخصصة للأطفال والناشئة في برنامج الدورة لا تقل عن سبعين في المائة، وأن البرنامج يشمل نحو ألف فعالية تستهدف هاتين الفئتين بشكل حصري لإطلاق العنان لإبداعاتهم وتوجيه طاقاتهم نحو أنشطة مفيدة وتنمية مهاراتهم وقدراتهم من خلال رواية القصص والرسم والفنون والتراث، وتكريس عادة القراءة والكتابة لديهم في مرحلة مبكرة من حياتهم، مع اعتماد دمج التعليم والترفيه من خلال ورش عمل وجلسات تفاعلية متخصصة مثل منصة “أتعلم” التي تجمع بين المتعة والفائدة بهدف بناء جيل مثقف وواعٍ قادر مستقبلاً على قيادة قطاع المعرفة.
ولفت إلى أن إعلان عام 2026 “عام الأسرة” في دولة الإمارات ينعكس بصورة واضحة على هوية الدورة الـ35 من المعرض، حيث تشكل الثقافة الأسرية ركيزة أساسية في خطة المركز بهدف تسليط الضوء على التماسك المجتمعي ودعم الروابط الأسرية وتعزيز التواصل بين الآباء والأبناء في بيئة ثقافية غنية، تماشياً مع المبادرات المجتمعية المرتبطة بعام الأسرة.
ويشمل البرنامج عشرات الورش القرائية التفاعلية المشتركة بين الآباء والأبناء، وجلسات حوارية متخصصة تركز على دور الأسرة المحوري في بناء الهوية الوطنية وترسيخ القراءة عادة يومية مستدامة داخل البيت الإماراتي، بالإضافة إلى جلسات لتمكين الشباب وإطلاق مبادرات وبرامج تستهدف صقل المواهب الوطنية الشابة وتهيئتها لدخول عالم النشر والعمل في هذا القطاع المتميز القائم على التكنولوجيا الحديثة.
التأثير الاقتصادي والمستقبل
وبخصوص استضافة “ثقافة دول البلقان” كضيف شرف للدورة بالتعاون والشراكة مع جمهورية شمال مقدونيا، قال الطنيجي إن هذه الاستضافة تفتح أمام الجمهور نوافذ معرفية للاطلاع على حضارات عريقة وإرث تاريخي ومخزون فكري وأدبي غني ومتنوع من خلال جلسات ثقافية وندوات أدبية وفعاليات تراثية متنوعة.
وأكد أن الرسالة الأساسية لهذا الاختيار تكمن في تأكيد قيم التسامح والتعايش والانفتاح الثقافي التي تتبناها دولة الإمارات، ومد جسور جديدة للشراكة الإبداعية مع منطقة جنوب شرق أوروبا، مشيراً إلى أن الاستضافة تؤكد قدرة الثقافة على توحيد الأمم وتقريب المسافات بين الشعوب، وتفتح المجال أمام القارئ العربي للتعرف إلى أصوات أدبية وفكرية جديدة.
وبخصوص اختيار الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية محورية للدورة، أوضح أنه essendo مؤسس علوم العروض والمعاجم العربية وأحد أعظم العقول التي أسهمت في تشكيل الهوية اللغوية للثقافة العربية، سيقدم المركز إرثه للأجيال الجديدة بأسلوب عصري مبتكر عبر تطبيقات رقمية تفاعلية وندوات أكاديمية تعيد قراءة عبقريته العلمية برؤية معاصرة تربط الشباب بجذورهم اللغوية العريقة وتلهمهم الابتكار والتأسيس على إرث لغوي غني وقيم.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي وتأثيره على الكتاب والنشر وصناعة المحتوى، أكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد سؤال يتعلق بطبيعة التعامل مع التقنية، بل أصبح في صلب العمل الثقافي وعموده الفقري وتشابكاته العصبية التي تعيد تشكيل أدواته وآلياته وطرق بناء المحتوى وعرضه ومشاركته مع الناس.
وأضاف أن هذا التوجه يمثل أحد موجهات التخطيط الاستراتيجي لمركز أبوظبي للغة العربية ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي يتعامل مع الذكاء الاصطناعي عبر محورين: الأول استثمار هذه التطورات وتوظيفها في كل ما ينتجه المعرض انطلاقاً من كون معارض الكتاب قطاعات إنتاج معرفي واقتصادي تعمل في خدمة الكتاب وكافة أشكال إنتاج المعرفة، مما يدعم صناعة النشر ويفتح أمام المحتوى العربي فرصاً أوسع للوصول والانتشار؛ والثاني حرص المعرض على أن يكون مساحة لمناقشة هذه التحولات والتعريف بالفرص التي تتيحها التقنيات الجديدة في المجالات ذات الصلة بالنشر والصناعات الإبداعية مثل الترجمة وإنتاج المحتوى والوصول إلى القراء، إلى جانب مناقشة التحديات المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية وأصالة المحتوى.
وأشار إلى أن الدورة الحالية تشهد تحولاً واضحاً في صناعة الكتاب إذ لم يعد النشر الرقمي امتداداً للنشر التقليدي، بل أصبح جزءاً أساسياً من دورة النشر والوصول إلى القارئ، مع توسع واضح في الكتب الإلكترونية والصوتية وتنوع أكبر في منصات التوزيع ودخول تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من هذه الصناعة.
وبيّن أن المركز يعمل من خلال قسم النشر الرقمي على مواكبة هذا التحول بصورة عملية عبر تطوير المحتوى العربي بصيغ رقمية وصوتية وتوسيع حضوره عبر المنصات وقنوات التوزيع المختلفة، بالإضافة إلى تطوير أشكال جديدة لتقديم المحتوى تتجاوز الصيغ التقليدية للكتاب.
ولفت إلى أن من التطورات التي يعمل عليها المركز هذا العام إطلاق كتب بتقنية الرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد لتقديم المحتوى، لا سيما الموجه للأطفال، بصورة أكثر تفاعلاً وجاذبية، والاستفادة من التقنيات الحديثة لخلق تجربة مختلفة مع الكتاب والمحتوى العربي.
وأكد أن التحول الرقمي بالنسبة للمركز لا يعني فقط تحويل الكتاب الورقي إلى صيغة إلكترونية، بل إعادة التفكير في كيفية تقديم المحتوى والوصول به إلى أجيال جديدة من القراء ذات اهتمامات مختلفة عن الأجيال السابقة، وهو ما يمثل أحد الأدوار الأساسية للمركز في دعم مستقبل صناعة النشر العربي.
وبالنسبة للأثر الاقتصادي للمعرض، أوضح أن هذا الأثر لا يقتصر على حجم المبيعات خلال أيام انعقاده، بل يمتد إلى ما يتيحه من فرص للناشرين والمؤلفين والمترجمين وصناع المحتوى لعقد الشراكات وشراء وبيع الحقوق والوصول إلى أسواق وقراء جدد.
وأضاف أن استقطاب الناشرين والمهنيين من مختلف دول العالم إلى أبوظبي يخلق حركة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، لكنه يحقق أيضاً أثراً أبعد مدى يتمثل في دعم منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية وتعزيز مكانة أبوظبي مركزاً للنشر وصناعة المحتوى، مؤكداً أن الأثر الأهم هو تحول المعرض من حدث سنوي لبيع الكتب إلى منصة تخلق فرصاً وشراكات تستمر بعد انتهاء المعرض.



