الرئيسيةمحلياتتحذير من ممارسي الطاقة الوهمية الذين...
محليات

تحذير من ممارسي الطاقة الوهمية الذين يستغلون الدين لخداع المرضى

19/09/2026 07:00

الادعاءات الوهمية والأساليب المستخدمة

تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي إعلانات تعد بشفاء أمراض مستعصية وحل خلافات زوجية معقدة، حيث يدّعي أصحابها قدرتهم على علاج المرضى عبر ممارسات يزعمون أنها تزيل “الطاقة السلبية” وتجلب الشفاء. ويظهر بعضهم أنفسهم كـ”راقٍ شرعي” hoping to gain religious immunity، ويتحدثون عن تنظيف المنزل وإزالة الطاقة السلبية باعتبارها سبب الأمراض المزمنة والأزمات الأسرية وتعثر الرزق.

يستغل هؤلاء حالة اليأس التي يمر بها الأشخاص بسبب المرض أو النزاعات أو صعوبات المعيشة، فيتسللون إلى المنازل ويحققون مكاسب مالية غير مشروعة دون اكتراث لما قد يترتب على “اجتهاداتهم” من مخاطر صحية واجتماعية. ويقدمون خلطات ووصفات تتضمن مواد متنوعة، ويطلبون من الأسر تنظيف المكان أو إزالة ما يسمونه طاقة سلبية، مدعين أن ذلك هو المسؤول عن المشكلات الصحية والعائلية والمالية.

التحذير القانوني والشرعي

قال المحامي والمستشار القانوني محمد العوامي المنصوري إن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على تحذير الأسر فقط، بل هناك جانب قانوني يتعلق بالادعاءات والممارسات التي يقدمها هؤلاء، خاصة عندما يستغلون الصفة الدينية أو وسائل التواصل للترويج لخدماتهم.

وأضاف أنه لا يكفي الابتعاد عن الأشخاص الذين يمارسون مثل هذه الأنشطة أو يستغلون الأسر تحت مسميات دينية أو علاجية؛ بل يجب إبلاغ الجهات المختصة عنهم حتى تتحقق كل جهة من الممارسة وفق اختصاصها وتحدد ما إذا كان الشخص مخولاً أو مرخصاً له بممارسة ما يعلن عنه.

وأوضح أن البلاغ يمكن توجيهه إلى الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة عندما يتعلق الأمر بأشخاص يقدمون أنفسهم ك”رقاة شرعيين” أو يستخدمون الدين في الترويج لممارساتهم، بينما يمكن إبلاغ الهيئة الوطنية للإعلام عن المحتوى والحسابات التي تستخدم وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لنشر هذه الممارسات، كل بحسب اختصاصه.

وشدد على أهمية الإبلاغ عن الحسابات والممارسات المشبوهة وعدم اعتبارها مجرد اجتهادات شخصية، لا سيما إذا اقترنت بادعاءات بعلاج الأمراض أو الشفاء منها أو بطلب مبالغ مالية مقابل جلسات متكررة، مؤكداً أن إحالة الأمر إلى الجهات المختصة يتيح التحقق من حقيقة النشاط ومدى قانونيته واتخاذ ما يلزم وفق الأنظمة المعمول بها.

العلامات الخطرة والوقاية

من الجانب الشرعي، أكد الدكتور في الشريعة والفقه المقارن والسياسة الشرعية سعيد سالم الدرمكي أن استخدام مفاهيم دينية أثناء الجلسة لا يجعل الممارسة مشروعة في حد ذاته، مشيراً إلى عدم جواز اتخاذ الدين ستاراً لتسويق ممارسات أو ادعاءات لا تقوم على دليل شرعي أو علمي معتبر.

وبيّن أن إدخال الأذكار في ممارسات يطلق عليها “تنظيف الطاقة” أو “فتح مساراتها” أو “موازنة الشاكرات” أو ما يسمى “المانترا” التي تقال في بعض جلسات التأمل واليوغا لا يضفي عليها صفة شرعية، لافتاً إلى أن الحكم يتفاوت بحسب طبيعة الممارسة وما يصاحبها من اعتقادات وادعاءات.

وأشار إلى أن بعض الممارسات قد تدخل في البدعة إذا أُحدثت هيئة تعبدية لم يأتِ بها الشرع، أو في الغش وأكل أموال الناس بالباطل إذا بُنيت على ادعاءات وهمية. وقد يبلغ الأمر درجة أشد إذا تضمنت الممارسات والطقوس الاستعانة بالجن أو الطلاسم أو ادعاء معرفة الغيب، أو الاعتقاد بأن المعالج يتصرف بقوة خفية مستقلة في جلب النفع ودفع الضر، مضيفاً أن بعض ممارسي هذه الطقوس لا يستخدمون مسميات الجن أو الشياطين، بل يطلقون عليها مسميات من قبيل الكيانات أو الأرواح الضائعة.

وشدد على ضرورة التفريق بين استخدام كلمة “الطاقة” كمصطلح علمي له دلالة، وبين تقديمها على أنها قوة غيبية يستطيع المعالج اكتشافها أو تنظيفها أو نقلها أو التحكم فيها دون دليل علمي معتبر، موضحاً أن موضع الاعتراض يتمثل في تحويل المصطلح إلى اعتقاد وممارسة علاجية.

وبخصوص الأسر التي تلجأ إلى أشخاص بسبب تكرار المشكلات الزوجية أو المرض أو تعثر الرزق، قال الدرمكي إن ذلك لا يعني أن كل مرض سببه عين، أو كل خلاف زوجي سببه سحر، أو كل تعثر في الرزق ناتج عن “طاقة سلبية”. وحذر من أن التوسع في هذه التفسيرات قد يحجب الأسباب الحقيقية للمشكلة، إذ قد تعود الخلافات الزوجية إلى ضعف التواصل أو الضغوط المالية أو تدخل الآخرين، بينما يحتاج المرض إلى تشخيص طبي، ويحتاج تحصيل الرزق إلى بذل الأسباب والسعي.

وأوضح أن الرقية الشرعية لا تقوم على طقوس غامضة أو ادعاءات جازمة بمعرفة أمور غيبية، بينما تظهر علامات الاستغلال عندما يدعي شخص اكتشاف “ذبذبات” أو “بوابات طاقة” أو كائنات خفية في المنزل، أو يطلب اسم الأم أو صوراً أو شعراً أو قطعاً من الملابس، أو يستخدم طلاسم ورموزاً وعبارات غير مفهومة.

ومن العلامات أيضاً القيام بأعمال غريبة مثل دفن أشياء أو حرقها، أو تحديد شخص بعينه باعتباره الحاسد أو الساحر، أو فرض جلسات متكررة ومبالغ مالية كبيرة، وإخافة الأسرة من التوقف عن التعامل معه.

وأشار الدرمكي إلى علامات أخرى وصفها بالخطرة، منها الخلوة بالنساء أو مسّ أجسادهن، وطلب كشف مواضع لا حاجة إلى كشفها، أو ربط الشفاء حصراً بالمعالج أو بطريقته، مؤكداً أن الراقي الموثوق به لا يدعي معرفة الغيب، ولا يصنع حول نفسه هالة من القداسة، ولا يمنع الناس من مراجعة الأطباء أو المختصين، ولا يبني دخله على تخويف الأسرة وإبقائها في دائرة من الجلسات المتكررة.

وأكد أن مجرد بدء الزيارة بالخطاب الديني لا يكفي لاعتبار ما يحدث بعدها رقية شرعية؛ بل العبرة بحقيقة العمل ومضمونه، لا بالمقدمة التي يبدأ بها الشخص، إذ قد يستخدمها البعض لبناء الثقة قبل الانتقال إلى ادعاءات لا أصل لها.

وحذر من مفاهيم مثل “تنظيف الهالة” و”فتح الشاكرات” و”إعادة توازن الذبذبات” و”طرد الطاقة السلبية”، أو الادعاء بالقدرة على تحديد أسباب المشكلات من خلال الإحساس بطاقة المكان.

وبيّن أنه لا حرج في أصل أخذ أجر معتدل على الرقية الشرعية، لكن ذلك لا يبيح الخداع أو استغلال حاجة المريض، محذراً من أن تحول الأمر إلى جلسات متكررة بلا معيار واضح، يصاحبها تخويف الأسرة من عودة الضرر في حال التوقف، أو تقديم وعود مضمونة بالشفاء وحل المشكلات، يحول المسألة إلى استغلال لمخاوف الناس وأكل لأموالهم بغير حق.

وشدد على أن الدين لا يتحول إلى غطاء شرعي للخرافة، والعبارات الدينية لا تجعل الادعاء غير المثبت حقيقياً، محذراً من خطورة إقناع المرضى بأن أعراضاً جسدية معينة مثل التثاؤب أو الصداع أو تغير نبض الجسد أثناء القراءة تمثل دليلاً قاطعاً على الإصابة بالعين أو السحر، مؤكداً أن المرض قد يكون عضوياً أو نفسياً أو وراثياً، ويحتاج إلى فحوص وتشخيص من متخصص، وأن كثيراً من تلك الأعراض له تفسيرات طبية ونفسية.

وأكد أن إقناع المريض بترك الدواء أو تأخير الفحوص والعلاج الطبي تصرف غير صحيح، وقد يكون محرماً إذا ترتب عليه ضرر، لما قد يؤدي إليه من تفاقم المرض أو ضياع فرصة العلاج المبكر أو حدوث عجز دائم أو وفاة، مشيراً إلى أن من يتسبب في الضرر بتحريض المريض على ترك العلاج يتحمل مسؤولية دينية وأخلاقية، وقد تترتب عليه مسؤولية قانونية بحسب الأنظمة المعمول بها.

وأكد عدم وجود تعارض بين الرقية والعلاج الطبي، إذ يمكن للمسلم أن يرقي نفسه ويدعو الله، وفي الوقت نفسه يراجع الطبيب ويتناول العلاج الموصوف، مؤكداً أن الأخذ بالأسباب الطبية لا ينافي التوكل، مع ضرورة عدم تحويل العين والحسد إلى تفسير جاهز لكل مرض أو مشكلة.

الموقف القانوني

قال المحامي والمستشار القانوني Abdullah بن حاتم إن الممارسات التي يقدمها أشخاص تحت مسمى “العلاج بالطاقة” قد تتجاوز، من الناحية القانونية، حدود الاعتقاد الشخصي، وتدخل في نطاق المساءلة الجنائية أو مخالفة الأنظمة المنظمة لمزاولة المهن الصحية والإعلانات الصحية، وفقاً لطبيعة ما يقوم به الشخص فعلياً، والادعاءات التي يقدمها، وما إذا كان يتقاضى أموالاً مقابل ذلك.

وأوضح أن المادة (366) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات، تعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 50 ألف درهم من يرتكب، بقصد استغلال الغير أو الإضرار به، عملاً من أعمال المخادعة أو الشعوذة أو الدجل، سواء كان ذلك حقيقة أو خداعاً، وبمقابل أو من دون مقابل.

وأكد ضرورة التفريق قانونياً بين الأفعال والادعاءات، مشيراً إلى أن العبرة بطبيعة الممارسة والادعاءات والاستغلال المصاحب لها.

وأضاف أن استخدام الأفكار أو المعتقدات في بداية الجلسة لا يحول دون مساءلة الشخص عن أفعال أخرى قد تشكل، وفقاً لتفاصيل كل واقعة، دجلاً أو ممارسة صحية غير مرخصة.

وأشار إلى أن الجانب القانوني يصبح أكثر وضوحاً عندما ينتقل “معالج الطاقة” من الحديث العام عن الطاقة إلى تشخيص حالة المريض، كأن يخبره بأن مرضه ناتج عن “طاقة سلبية”، ثم يدعي قدرته على علاج المرض أو إزالة سببه.

وأوضح أن القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2019 في شأن تنظيم مزاولة مهنة الطب البشري يشترط لمزاولة المهنة الحصول على ترخيص من الجهة الصحية المختصة، في إطار حماية المجتمع من الممارسات الطبية غير المشروعة.

وتابع أن القانون يقرر عقوبات على مزاولة المهنة دون الحصول على الترخيص، ومن بينها العقوبات الواردة في المادة (25)، التي تشمل، في الحالات التي تنطبق عليها أحكام المادة، الحبس أو غرامة لا تقل عن 200 ألف درهم ولا تزيد على مليوني درهم.

وأكد أن استخدام مسمى “معالج بالطاقة” لا يسمح بتجاوز متطلبات الترخيص، موضحاً أن تغيير الصفة من “طبيب” إلى “معالج طاقة” لا يحسم الوضع القانوني للشخص، لأن التقييم ينصبّ على حقيقة النشاط الذي يمارسه، وليس فقط الاسم الذي يطلقه على نفسه.

وأشار إلى أن دولة الإمارات تنظم المهن الصحية التي يمارسها غير الأطباء والصيادلة بموجب القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2023، وصدرت لائحته التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم (176) لسنة 2025، الساري منذ 29 نوفمبر 2025.

وشدد المحامي Abdullah بن حاتم على أن التقييم القانوني لهذه الممارسات لا يتوقف على المسمى المستخدم في الحسابات أو الإعلانات، وإنما على طبيعة الأفعال والادعاءات التي يقدمها صاحبها، لافتاً إلى أن قانون الجرائم والعقوبات يُجرّم أعمال المخادعة والشعوذة والدجل متى ارتُكبت بقصد استغلال الغير، فيما تخضع ممارسة الأنشطة الصحية والتشخيص والعلاج لأنظمة الترخيص لدى الجهات الصحية المختصة.

وقال إن انتقال مقدم الرقية إلى تشخيص الأمراض أو نسبها إلى أسباب خفية، أو الادعاء بقدرته على علاجها وإزالة أسبابها مقابل المال، قد يثير – بحسب تفاصيل كل واقعة – شبهة ممارسة نشاط صحي دون ترخيص، أو أفعال الدجل والشعوذة، أو مخالفات تتعلق بالإعلان الصحي، مؤكداً أن اللجوء إلى الدين لا يمنح حصانة قانونية لأفعال أخرى، متى توافرت فيها أركان المخالفة أو الجريمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *