في يوم المرأة الإماراتية 2026: الشيخة لطيفة بنت حمدان.. أم السلام والسكينة

تزخر دولة الإمارات العربية المتحدة بنماذج نسائية تركت بصمات عميقة في المجتمع والإنسان، ومن بينهن من ساهمن في صناعة التاريخ من داخل البيوت، وأسسن للأجيال بمبادئ تحولت لاحقاً إلى مشاريع تنموية وإنجازات وطنية. كان لهن حضور مؤثر في مسيرة المجتمع، وساهمن في بناء الأسرة وترسيخ القيم التي قامت عليها الدولة.
رفيقة درب في مسيرة البناء
تبرز من بين هذه الشخصيات والدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيان، رحمها الله. هي إحدى الشخصيات النسائية الملهمة في تاريخ الإمارات، بما غرسته في أبنائها من أخلاق وقيم، وبما تركته من إرث إنساني جعلها حاضرة في وجدان أبناء الإمارات. إنها المرأة التي صنعت القائد قبل أن يصنع هو التاريخ.
لم يكن دور المرأة الإماراتية وليد اللحظة الراهنة فقط، بل كان حاضراً منذ البدايات في مواقع المسؤولية الاجتماعية والأسرية، تؤدي أدواراً مهمة في مجتمعها. وهذا الدور تعزز اليوم عبر مشاركتها في مختلف المجالات القيادية والتنموية. ومنذ عام 2015 بدأ الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية الذي يصادف الثامن والعشرين من أغسطس من كل عام، وهو فرصة استثنائية لتسليط الضوء على إنجازات الدولة وجهودها في تمكين ودعم المرأة.
وأعلنت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، «بنظهر الأقوى والأفضل» شعاراً ليوم المرأة الإماراتية 2026.
أم ملهمة غرست القيم
في يوم المرأة الإماراتية تحضر سيرة الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان بوصفها إحدى الشخصيات النسائية التي تركت بصمة واضحة في مسيرة الدولة، وقدمت نموذجاً للمرأة التي جمعت بين الحكمة وقوة الشخصية والإحساس العميق بالمسؤولية المجتمعية. لم يقتصر دورها على رعاية أسرتها والاهتمام بشؤون منزلها، بل امتد ليشمل محيطها الاجتماعي، حيث عُرفت بقربها من الناس وحرصها على متابعة قضاياهم والاستماع إلى احتياجاتهم.
كان مجلس الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان ملتقى للنساء، تستقبل فيه مختلف القضايا والهموم، وتنقلها إلى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ما يعكس مكانتها وثقة المجتمع برأيها ودورها. أسهم هذا النهج في تعزيز جسور التواصل بين المجتمع والقيادة، وجسّد صورة المرأة الإماراتية الشريكة في خدمة مجتمعها. كما عُرفت بتوازنها بين الحزم واللين، إذ جمعت بين قوة الشخصية ورقي التعامل، وهو ما أكسبها احترام وتقدير كل من عرفها، لتظل سيرتها حاضرة بوصفها أحد النماذج الملهمة للمرأة الإماراتية التي أسهمت بحكمتها وعطائها في ترسيخ قيم التلاحم المجتمعي.
نشأة أصيلة وإرث إنساني
وُلدت المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، عام 1919 في عهد والدها المغفور له الشيخ حمدان بن زايد بن خليفة آل نهيان، الذي تولى حكم إمارة أبوظبي خلال الفترة من عام 1912 إلى عام 1922. نشأت في بيئة أسرية إماراتية أصيلة، ترسخت فيها قيم الدين والأخلاق والكرم، وهي القيم التي انعكست على شخصيتها ومسيرتها لاحقاً. وفي عام 1939 تزوجت من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، لتبدأ معه مسيرة أسرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، كانت خلالها رفيقة دربه وسنداً له في مختلف مراحل حياته.
كانت الشيخة لطيفة سنداً لزوجها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي قاد مرحلة مهمة من مسيرة دبي وحولها من مجتمع محلي إلى مدينة ذات حضور اقتصادي وتنموي بارز. عاشت إلى جانبه سنوات المسؤولية والعمل، فكانت رفيقة دربه في مرحلة شهدت الكثير من التحديات والتحولات، وأسهمت بحضورها في توفير الاستقرار والدعم داخل الأسرة. لم يقتصر دورها على كونها زوجة لحاكم دبي، بل كانت صاحبة شخصية مؤثرة في محيطها، عُرفت بالحكمة والهدوء والقدرة على التعامل مع مختلف المواقف.
وقد وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بأنها كانت مصدراً للسلام والسكينة، وأنها تحتل مكانة كبيرة في حياته. وفي إطار دورها الأسري، أولت الشيخة لطيفة اهتماماً كبيراً بتربية أبنائها ورعايتهم، وحرصت على غرس قيم المسؤولية والانتماء والالتزام في نفوسهم. أسهم هذا الدور في بناء أسرة كان لأبنائها حضور بارز في مسيرة دبي والإمارات، ليصبح عطاؤها جزءاً من قصة أجيال واصلت خدمة الوطن في مجالات متعددة.
أم ملهمة وأثر إنساني خالد
تعد الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان نموذجاً للأم الإماراتية التي أدت دوراً محورياً في بناء الأسرة، حيث جمعت بين العاطفة والحكمة، وبين الحزم والاحتواء، لتترك أثراً امتد إلى أبنائها الذين أصبحوا جزءاً من مسيرة دبي والإمارات. كان حضورها يصنع الأثر بهدوء ويزرع المحبة دون تكلف، حرصت على تربية أبنائها بالقدوة وغرس معاني العطاء واحترام الناس في نفوسهم والتواضع والإحساس بالآخرين، وغدت هذه القيم جزءاً أصيلاً في القيادة والحكم في إمارة دبي والتي تمتد جذورها إلى التربية التي تلقاها أبناؤها في المنزل.
واستعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جانباً من علاقته بوالدته في كتابه «قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً»، مستحضراً مكانتها الكبيرة في حياته، وواصفاً إياها بأنها كانت مصدراً للسلام والسكينة، حيث قال سموه: «كل ابن يمكن أن يتحدث عن السلام والسكينة في وجه أمه، ولكن أمي ليست ككل الأمهات، كانت كلها سلاماً وسكينة».
كان لسمات الشيخة لطيفة الإنسانية الأثر الكبير في أبنائها نتيجة عمق العلاقة التي جمعتهم بها، وما تركته في شخصياتهم ونظرتهم للحياة. لم يقتصر دورها على الرعاية والعناية اليومية، بل كانت مصدراً للقيم والمعاني التي رافقت مسيرة أبنائها. بقي حضورها الإنساني حاضراً في وجدانهم ومرتبطاً في ذاكرتهم بالحنان والرحمة والاهتمام، وهي صفات حرصت على غرسها في أبنائها من خلال التربية والقرب والمتابعة، فكانت شخصية ملهمة ونموذجاً للأم الإماراتية في بناء الأسرة، والتي تحرص على متابعة تفاصيل حياتهم اليومية، بما يعكس صورة الأم الحاضرة التي تجمع بين الحنان والرعاية، وتؤمن بأن الرعاية والاهتمام هما أساس بناء شخصية الأبناء وترسيخ القيم في نفوسهم.
وكانت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان أماً عظيمة وواحدة من أعلام النساء، وسيدة نساء زمانها، عُرفت بحسن أخلاقها وطيبة قلبها ويدها البيضاء، وعرفت بقربها من الناس، وبما حملته من صفات إنسانية جعلتها تحظى بمحبة واحترام من حولها. امتلكت خبرة في العلاج بالأعشاب، حيث كان يقصدها الناس من أماكن بعيدة طلباً للمشورة والاستفادة من معرفتها، وهو ما يعكس ثقة المجتمع بها وحرصها على مساعدة الآخرين.
تبقى سيرة الشيخة لطيفة بنت حمدان حاضرة في وجدان الإمارات من خلال القيم التي جسدتها والمكانة التي تركتها في مجتمعها وأسرتها، ليحمل عدد من المعالم في دبي اسمها، ومن بينها مستشفى لطيفة وشارع لطيفة بنت حمدان ومسجد الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، وليظل اسمها مرتبطاً بالعطاء والإنسانية، ولترسَّخ صورتها في ذاكرة الأجيال نموذجاً للمرأة الإماراتية التي كان لها دور في بناء الأسرة والمجتمع.



