أم الإمارات.. مسيرة خمسة عقود من العطاء تقود المرأة إلى آفاق التمكين والريادة

دبي – ريد السويدي وسارة الكواري
ارتبط اسم الشيخة فاطمة بنت مبارك بعطاء لا يعرف الحدود، ومسيرة حافلة بدعم المرأة والأسرة والمجتمع. فمنذ البدايات، كانت رؤيتها جسراً عبرت من خلاله المرأة الإماراتية نحو آفاق أوسع من الطموح والإنجاز.
من الصيد إلى التعليم: جذور النهضة
في البيئة الساحلية، اعتاد الرجال الخروج للصيد لفترة طويلة، وكانت المرأة هي التي تدير شؤون الحياة في المجتمع حتى عودتهم. مع بداية الاتحاد وقيام الدولة، آمن الشيخ زايد إيماناً عميقاً بأن التعليم هو حجر الأساس لأي بناء وتنمية، فأولى اهتماماً كبيراً لبناء المدارس في مختلف مناطق الدولة، وكان يحرص على زيارة المناطق النائية والاجتماع بسكانها وحثهم على إرسال أولادهم وبناتهم إلى المدارس، كما خصص راتباً لكل طالب إضافة إلى توفير أدوات القرطاسية، تشجيعاً للأسر على تعليم أبنائها وبناتها.
أما مجلس سموها في قصر البحر، فكانت تعتاد فيه استقبال سيدات من مجتمع الإمارات يومي السبت والثلاثاء من كل أسبوع، لفتح باب الحوار معهن ومعرفة احتياجات المرأة وما تواجهه من صعوبات لتطوير نفسها ومجتمعها.
الجمعيات النسائية وبناء القاعدة المؤسسية
رحب المغفور له الشيخ زايد بفكرة تأسيس جمعية، وسرعان ما افتتحت «جمعية النهضة الظبيانية» في فبراير 1973، وكان يشرف على عملها بنفسه ويفتتح الأنشطة والمعارض التي تقام بها، تشجيعاً للمرأة وحثاً للأسر على السماح للفتيات والنساء بالتردد على الجمعية والاستفادة من خدماتها.
بفضل دعم الشيخة فاطمة بنت مبارك، لعبت الجمعيات النسائية والاتحاد النسائي دوراً مهماً في تعليم وتمكين المرأة منذ البداية، مؤكدة دور العمل النسائي في ظل التطور الكبير الذي تشهده الدولة، حيث تستعد المرأة الإماراتية للسفر نحو الفضاء. كما لعب الاتحاد دوراً في تمكين وتأهيل المرأة للمشاركة السياسية، عبر تنظيم المؤتمرات والندوات المتخصصة، مما أتاح للمرأة الإماراتية فرصة الاطلاع على تجارب نظيراتها في الدول العربية الشقيقة وعلى المستوى العالمي.
دور محوري في صياغة مشروع وطني للتمكين
في هذا السياق، أدت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك دوراً محورياً في صياغة مشروع وطني يقوم على تمكين المرأة، ليس بوصفه هدفاً مستقلاً، بل جزءاً من التنمية الشاملة التي تبدأ بالتعليم، وتمر بالتأهيل والعمل، وتنتهي بالمشاركة في صنع القرار. انعكس هذا لاحقاً في حضور المرأة اللافت داخل الحكومة، والمجلس الوطني الاتحادي، والسلك الدبلوماسي، والسلطة القضائية، والقوات المسلحة، والقطاع الاقتصادي، ومجالس إدارات المؤسسات الحكومية والخاصة.
كرس الاتحاد النسائي جهوده لنشر ثقافة المساواة في الفرص، ودعم التعليم المستمر، وبناء القيادات النسائية، وتمكين المرأة في مختلف القطاعات. كما يؤدي المجلس دوراً محورياً في إجراء الدراسات والبحوث، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات الدولية، والتنسيق بين الجهات الحكومية، وإطلاق المبادرات الوطنية التي تعزز حماية الطفل، وتدعم صحة الأم، وتوفر بيئة آمنة للنشء. وتجسد المؤسسة منذ تأسيسها نموذجاً وطنياً رائداً في العمل الاجتماعي والإنساني، عبر خدمات ومبادرات نوعية استهدفت الأسرة وكبار المواطنين والمرأة والطفل والشباب، وأسهمت في تحقيق أثر اجتماعي ملموس، لتعمل المؤسسة بوصفها بيتاً للأسرة ومنارة للعطاء.
تضمن هذا التكريم صوراً مختلفة، من جوائز وأوسمة وشهادات تقدير وشهادات فخرية، عبرت جميعها عن المكانة المرموقة التي حصلت عليها بسمو مواقفها وعظمة أدوارها ومبادراتها.
تكريم عالمي واستراتيجيات وطنية
حصلت سموها في عام 2015 على لقب شخصية العام الإسلامية من جائزة دبي للقرآن الكريم في دورتها التاسعة عشرة، تقديراً لدورها في خدمة قضايا المرأة. كما تم تأسيس صندوق الشيخة فاطمة لرعاية المرأة اللاجئة والطفل بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين عام 2000، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2002، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة «اليونيفيم».
انتقلت المرأة الإماراتية خلال عقود قليلة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الريادة، بفضل البيئة التشريعية والمؤسسية التي دعمتها سموها، والرؤية التي تبنتها. قامت الشيخة فاطمة بنت مبارك بإطلاق عدد من الاستراتيجيات الوطنية لتمكين المرأة وتعزيز دورها في المجتمع محلياً وإقليمياً، من أبرزها: الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة (2002) لتكون منهجية وإطار عمل للمشاركة الفاعلة في ثمانية قطاعات رئيسة هي التعليم، الصحة، الاقتصاد، المجال الاجتماعي، المجال التشريعي، المشاركة السياسية واتخاذ القرار، البيئة والإعلام؛ والاستراتيجية الوطنية المحدثة لتمكين وريادة المرأة (2015 – 2021)؛ وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمومة والطفولة والخطة الاستراتيجية لتعزيز حقوق وتنمية الأطفال أصحاب الهمم (2017 – 2021)؛ وإطلاق السياسة الوطنية لتمكين المرأة في دولة الإمارات (2023 – 2031) التي اعتمدها مجلس الوزراء لتكون الخارطة الوطنية الحديثة التي تقود جهود التمكين بما ينسجم مع رؤية الإمارات المستقبلية.
رؤية تعزز الترابط الأسري وعمل إنساني ممتد
قدمت سموها دعماً لا محدوداً للبرامج الوقائية، ومبادرات التأهيل قبل الزواج، والإرشاد الأسري، والمشروعات التي تعزز الترابط بين أفراد الأسرة، إلى جانب دعم التشريعات والسياسات التي تحمي حقوق المرأة والطفل وكبار المواطنين. انعكس ذلك في ارتفاع مستوى الوعي الأسري، وتوسع الخدمات الاجتماعية، وتعزيز مفهوم المسؤولية المشتركة داخل الأسرة الإماراتية.
لم تقتصر جهود سموها داخل الحدود الجغرافية للدولة، بل امتد أثرها إلى خارج حدود الإمارات عبر عشرات المبادرات الإنسانية التي شملت بناء المدارس والمراكز الصحية، ودعم اللاجئين، ورعاية النساء والأطفال في المناطق المتضررة، والإسهام في جهود الإغاثة الدولية، انطلاقاً من نهج إنساني يعكس قيم الإمارات القائمة على التضامن والعطاء. حظيت هذه الجهود بإشادة من العديد من المنظمات الإقليمية والدولية، وأسهمت في تعزيز مكانة دولة الإمارات كواحدة من أبرز الدول الداعمة للعمل الإنساني والتنمية المستدامة.
وبعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال رؤية «أم الإمارات» تشكل الأساس الذي تنطلق منه مسيرة المرأة الإماراتية، عبر إعداد أجيال جديدة من القيادات النسائية القادرة على مواصلة مسيرة التنمية، وترسيخ مكانة الإمارات نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة وبناء الإنسان.



