التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي في قطاع المحاماة والقضاء

الدعم التكنولوجي وحدوده
يشير خبراء إلى أن الأنظمة الذكية تُسرّع البحث القانوني وتستخرج المستندات المعقدة في ثوانٍ، لكنها تفتقر إلى روح القانون والحكمة البشرية التي يعتمد عليها القاضي في إصدار الأحكام، وكذلك إلى الملكة المهنية التي يعتمد عليها المحامي عند بناء الحجج والتفاوض. وأوضحت المحامية نادية خالد أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي المهنة بل سيُعيد توزيع مهامها، فالقانون يتطلب قدرة على تكييف الوقائع وفهم السياق وصياغة الاستراتيجيات، وهي مهارات لا تستطيع الآلة توفيرها بالكامل. وحذّرت من أن المخرجات التي تنتجها الأنظمة قد تبدو منطقية ومقنعة بينما تحتوي على أخطاء، ما يجعل التحقق البشري ضرورياً؛ فالمحامي هو من يتحمل مسؤولية مراجعة النتائج وتصحيحها.
المخاطر والتحديات
من بين المخاطر التي أثارها المتحدثون احتمال أن يقدم الذكاء الاصطناعي استنتاجات خاطئة تُظهر ثقة زائدة، وهو ما يستدعي رقابة دقيقة لتجنب الاعتماد على معلومات غير صحيحة. كما أثاروا قلقاً بشأن تسريب البيانات القانونية، إذ تحتوي الملفات على أسرار مهنية وشخصية تستوجب حماية صارمة ووعياً بحدود استخدام المعلومات ومصادرها. وأكدوا أن الاعتماد على خوارزميات معقدة وغامضة قد يهدد شفافية القرارات ويصعب على المتقاضين فهمها أو الطعن عليها، وبالتالي فإن العدالة الرقمية يجب أن تحتفظ بضمانات أساسية مثل حق الدفاع والمساءلة والشفافية. وأشار المتحدثون إلى أن المسؤولية عن أي خطأ يترتب على استخدام هذه الأدوات تبقى على عاتق المحامي أو القاضي، لأن الأنظمة لا تُعفي مستخدمها من الالتزام المهني تجاه العميل أو المحكمة.
إعادة تشكيل المهنة ورؤية المستقبل
رأت علي خضر العبادي أن دور الذكاء الاصطناعي يبقى ثانوياً ومساعداً فقط، ولا يمكن أن يحل مكان المحامي في التخطيط الاستراتيجي وترتيب المجريات القانونية؛ واقترح أن يُقتصر استخدامه على البحث السريع في الأرشيف القضائي وتنظيم المواعيد واستخراج القوانين والتشريعات المقارنة، على أن يخضع الناتج دائماً لمراجعة بشرية دقيقة. ورأى عماد عبدالرحيم الدحيات أن هذه الأنظمة توفر قدرات الاستنتاج وفحص البيانات والعقود بسرعة، لكنها تثير تساؤلات حول دقة المخرجات والتحيز الخوارزمي وصعوبة تحديد مسؤولية الأخطاء، مؤكداً أن المحامي يظل المسؤول الكامل عن أي استشهادات أو سوابق وهمية تنتج عن استخدامها. وأوضح أنس النجداوي أن النقاش الأكاديمي لم يعد يدور حول دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال القانوني بل حول كيفية إعادة تشكيل المهنة وتغيير ملامحها، داعياً المؤسسات الأكاديمية إلى مراجعة فلسفتها التعليمية وتطوير أدواتها مواكبة للتحول الرقمي. وذكر نصر أبوالفتوح أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً جذرياً في قطاع المهن القانونية بالإمارات، حيث غيّر معايير الكفاءة لتعتمد على توظيف الأدوات الذكية وتحليل نتائجها بدلاً من البحث اليدوي التقليدي، وأن المنصات الذكية للبحث وإدارة الجلسات الافتراضية سرّعت الإجراءات بينما بقي التقدير القضائي وفهم السياق الإنساني حصراً على القاضي. وختم خالد رأفت أحمد بأن التسارع التقني يمثل أزمة حقيقية للقانون الذي ينظم السلوك البشري، وأن الذكاء الاصطناعي وإن سرّع بعض المهام لا يمكنه الوصول إلى الحكمة العميقة التي أرادها المشرع وراء القوانين ولا يمكنه أداء عمل القاضي في تطبيق العدالة، فالإنسانية والحكمة المطلوبة لتطبيق روح القانون لا تستطيع الآلة تقليدها.




