الفهيم: استدامة الشركات العائلية تتطلب الحوكمة والابتكار وإعداد جيل جديد من القيادات

أكد خالد عبد الكريم الفهيم، رئيس مجلس أبوظبي للشركات العائلية وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، أن استمرارية الشركات العائلية وقدرتها على أداء دورها الاقتصادي عبر الأجيال تقوم على الاستثمار في ثلاثة مرتكزات رئيسية، وهي: تطوير أنظمة الحوكمة، واعتماد الابتكار والتقنيات الحديثة، وإعداد قيادات شابة قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية وخلق فرص النمو المستقبلية.
دور تاريخي في تنمية أبوظبي
وأشار الفهيم، خلال كلمته الافتتاحية في أعمال المؤتمر العالمي الرابع للملاك ومكاتب إدارة الثروات العائلية، إلى أن اختيار أبوظبي لاستضافة هذا المؤتمر خلال السنوات الثلاث المقبلة يعكس المكانة المتنامية للإمارة في منظومة الاستثمار العائلي العالمية، ويفتح آفاقاً للتواصل المباشر بين الشركات العائلية المحلية ونظيراتها الدولية، مما يدعم تبادل الخبرات وإقامة شراكات استثمارية طويلة الأمد.
وسلط الضوء على الدور التاريخي الذي لعبته الشركات العائلية في مسيرة التنمية الاقتصادية لأبوظبي، مؤكداً أن مساهمتها لم تقتصر على مواكبة التحولات الاقتصادية، بل امتدت إلى المشاركة الفاعلة في صياغتها، بدءاً من تأسيس الأنشطة التجارية وتطوير البنية التحتية، وصولاً إلى الاستثمار في قطاع الضيافة واستقطاب العلامات التجارية العالمية.
المؤتمر العالمي الرابع للثروات العائلية
وجاءت تصريحات الفهيم في ختام المؤتمر العالمي الرابع للملاك ومكاتب إدارة الثروات العائلية، الذي نظمته مؤسسة «كامبدن ويلث» بالتعاون مع مجلس أبوظبي للشركات العائلية التابع لغرفة تجارة وصناعة أبوظبي، وبمشاركة نخبة من قادة الشركات والمكاتب العائلية ورواد الأعمال والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم. ويعزز المؤتمر مكانة العاصمة الإماراتية كمركز عالمي لرأس المال العائلي وإدارة الثروات، ومنصة دولية لبناء شراكات استثمارية مستدامة، بفضل منظومتها الاقتصادية المتكاملة وبيئتها التشريعية والتنظيمية المتقدمة.
وانعقد المؤتمر تحت شعار «قوة رأس المال العائلي في إحداث التغيير»، وناقش أربعة محاور استراتيجية شملت: الحوكمة المؤسسية وتعاقب الأجيال، وإعداد القيادات المستقبلية للشركات العائلية، والتوجهات العالمية لإدارة الثروات الخاصة، واستراتيجيات الاستثمار طويل الأجل والاستثمارات البديلة بما فيها الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ودور رأس المال العائلي في دعم الابتكار والنمو الاقتصادي المستدام.
الاستثمار في القيادات المستقبلية والحوكمة
وفي محور مستقبل الشركات العائلية، شدد الفهيم على أن الحفاظ على الإرث الاقتصادي للعائلات لا يعني الاقتصار على النماذج التقليدية لإدارة الأعمال، بل يتطلب الاستعداد للتحولات التكنولوجية وتطوير آليات اتخاذ القرار والحوكمة. وأشار إلى شراكة مجلس أبوظبي للشركات العائلية مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تهدف إلى تمكين الشركات العائلية من الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة أعمالها وتعزيز حوكمتها وتطوير عمليات اتخاذ القرار.
وأوضح أن هذه الخطوة تعكس توجه المجلس نحو دعم جاهزية الشركات العائلية للمستقبل، وتعزيز قدرتها على الاستفادة من التقنيات المتقدمة بما يرفع كفاءتها المؤسسية ويدعم استدامة نموها. وشدد على أن الانتقال الناجح بين الأجيال يمثل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الشركات العائلية عالمياً، ويتطلب تخطيطاً مبكراً وأطراً واضحة للحوكمة، إلى جانب تمكين الأجيال الجديدة من المشاركة في صنع القرار وتحمل المسؤولية.
ولفت الفهيم إلى أن المجلس يعمل على ترجمة هذه الأولويات إلى مبادرات عملية، من بينها «برنامج قيادات الجيل القادم للشركات العائلية»، الذي أتاح بالفعل للمجموعة الأولى من القيادات الشابة خوض تجربة تعليمية وتطويرية امتدت من أبوظبي إلى مدينة لوزان السويسرية. وأكد أن الاستثمار في القيادات المستقبلية لا يقل أهمية عن الاستثمار في الأصول والمشاريع، باعتباره عاملاً حاسماً في ضمان استمرارية الشركات العائلية وقدرتها على المنافسة في اقتصاد سريع التحول.
الثقة المتبادلة والشراكات الدولية
وتطرق الفهيم إلى طبيعة العلاقات التي يقوم عليها مجتمع الشركات العائلية في أبوظبي، موضحاً أن الثقة المتبادلة تمثل أصلاً استراتيجياً تتجاوز قيمته الاعتبارات التجارية المباشرة، إذ تستند العديد من الشراكات إلى علاقات تمتد لعقود، وتنتقل في بعض الأحيان من جيل إلى آخر. وأشار إلى أن هذه الثقافة الاقتصادية، القائمة على المصداقية والالتزام واستمرارية العلاقات، تمنح أبوظبي ميزة مهمة في بناء الشراكات مع العائلات الاستثمارية العالمية التي تبحث عن بيئات أعمال مستقرة وشركاء يتبنون الرؤية طويلة الأجل ذاتها.
وأكد أن قدرة أبوظبي على الجمع بين المحافظة على إرثها الاقتصادي والانفتاح على التحولات المستقبلية تمثل إحدى أهم نقاط قوتها، لافتاً إلى أن الشركات العائلية المحلية تعمل اليوم إلى جانب مؤسسات استثمارية وصناديق سيادية من الأكبر عالمياً، ضمن اقتصاد يتوسع في الصناعات المتقدمة والخدمات المالية والتكنولوجيا.
وأوضح الفهيم أن تأسيس غرفة أبوظبي لمجلس أبوظبي للشركات العائلية قبل عامين جاء استجابة لأهمية هذا القطاع ودوره المحوري في الاقتصاد المحلي، بهدف توفير منصة مؤسسية تدعم استدامة الشركات العائلية وتعزز حوكمتها وتوسع علاقاتها الاستثمارية. وأشار إلى أن المجلس يركز على ثلاثة مسارات مترابطة تشمل: تطوير الحوكمة والاستعداد لتعاقب الأجيال، وتأهيل القيادات المستقبلية، وتوسيع شبكة العلاقات والشراكات الدولية للشركات العائلية.
وأضاف أن المجلس يواصل بناء جسور التواصل مع المكاتب العائلية العالمية، مستشهداً بالحوارات التي أجراها أخيراً مع مكاتب عائلية في لندن، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز حضور الشركات العائلية في أبوظبي على الساحة الاستثمارية الدولية. وأكد أن مستقبل الشركات العائلية لا يتحدد بحجم الثروات التي تنتقل بين الأجيال فحسب، بل بالقيمة التي يضيفها كل جيل إلى ما تسلمه من الأجيال السابقة.
واستحضر في هذا السياق تجربة تجار أبوظبي الأوائل الذين استثمروا في مستقبل المدينة قبل اكتمال بنيتها التحتية، معتبراً أن قدرتهم على استشراف التحولات المقبلة تمثل نموذجاً للرؤية بعيدة المدى التي تحتاج إليها الشركات العائلية اليوم. ودعا قادة الشركات العائلية والمكاتب الاستثمارية المشاركين في المؤتمر إلى تحويل الحوار وتبادل الخبرات إلى علاقات وشراكات تترك أثراً مستداماً، مؤكداً أن المسؤولية الأهم أمام الجيل الحالي تتمثل في بناء إرث اقتصادي يمنح الأجيال القادمة قاعدة أقوى للنمو والابتكار.




